لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إن كان الأمر للفور. سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه لكنه حاصل عند ورود الخطاب، والأمر بترك الحاصل محال. اللهم إلا أن يقال: إنه مأمور بترك ما هو متلبس به في المستقبل، وذلك إنما يكون بإقدامه على المأمور به، وحينئذ يعود المحذور المذكور.
ثم قال: واعلم أن الوجه الثاني غير لازم على الشيخ، لأن الاستطاعة وإن كانت مع الفعل لكن الأمر بالفعل ليس قبله عنده على ما أشعر به نقل الإمام فإن صح هذا من مذهبه كان التكليف بما لا يطاق غير لازم عليه من هذا الوجه.
وقال غيره: تكليفه قبل وقوع الفعل لا يدل على وقوع تكليف ما لا يطاق، لأن تلك الحالة تمكن من إيجاد الفعل، والاستدلال على فساد سبقها الفعل، أنها عرض، فلو بقيت لزم بقاء الأعراض، وهو ممنوع. ثم الشرع يدل على سبق استطاعة الفعل بأنا لا نحكم بها قبل الشروع في الفعل كما في الصلاة والحج وغيرهما.
وقال المازري: لم يغلط القوم في نقل مذهب الرجل، لأنهم أرادوا بقولهم: إن الأشعري أجاز تكليف ما لا يطاق أي في الحال لا في الاستقبال وما يكون إيقاعه من قبيل المحال، ولو قيد إطلاقه بهذا لم يتعقب عليهم نقلهم.
واعلم أن أخذ مذهب الأشعري من ذلك ليس بلازم، لأن لازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح، وكلام الأشعري مصرح بوقوع الممتنع لغيره والاضطراب في النقل عنه إنما هو في الممتنع لذاته.
وقد صرح الشيخ في كتاب الإيجاز بأن تكليف العاجز الذي لا يقدر على شيء أصلا، وتكليف المحال الذي لا يقدر عليه المكلف صحيح وجائز. ثم قال: وقد وجد تكليف الله العباد بما هو محال لا يصح وجوده خلافا لبعض أصحابنا، ثم استدل بقضية أبي لهب وبإجماع الأمة على أن الكافر مكلف بالإيمان. واحتج غيره بالوقوع بقوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} [النساء: 129] مع الإجماع على أن العدل بينهن واجب. ووجه الدليل أن الله تعالى نفى القدرة عن الاستطاعة، ومقتضى هذا الخبر الصادق أنه غير قادر على ذلك مع تكليفه بما لا قدرة له عليه، نقله الإمام في تفسيره وقصارى ما تمسك به المجوزون ظواهر لا تفضي إلى القطع وليس الامتناع فيها من حيث العقل بل من حيث العلم.
وقد ذهب قوم منهم الغزالي في “المنخول” إلى أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه لا يسمى مستحيلا. لأنه في ذاته جائز الوقوف.