[جواز خطاب الكفار بالفروع عقلا] أما الجواز عقلا فمحل وفاق كما قاله إلكيا الطبري، ومراده وفاق أصحابنا، وإلا فقد نقل عن ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار وغيره أنه لا يجوز أن يخاطبوا عقلا بالفروع، وحكاه صاحب كفاية الفحول في علم الأصول من الحنفية فقال: أجازه عقلا قوم ومنعه آخرون.
[جواز خطاب الكفار بالفروع شرعا] أما شرعا ففيه مذاهب: أحدها: أنهم مخاطبون بها مطلقا في الأوامر والنواهي بشرط تقدم الإيمان، لقوله تعالى: {ما سلككم في سقر} [المدثر: 42] الآيات، ولأنه تعالى ذم قوم شعيب بالكفر ونقص المكيال، وقوم لوط بالكفر وإتيان الذكور، وذم عادا قوم هود بالكفر وشدة البطش بقوله تعالى: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 130] ونص عليه الشافعي في مواضع:
منها: تحريم ثمن الخمر عليهم، وقال في “الأم”1 في باب حج الصبي يبلغ، والمملوك يعتق، والذمي يسلم، فيما إذا أهل كافر بحج، ثم جامع، ثم أسلم قبل عرفة فجدد إحراما وأراق دما لترك الميقات أجزأته عن حجة الإسلام، لأنه لا يكون مفسدا في حال الشرك، لأنه كان غير محرم. قال: فإن قال قائل: فإذا زعمت أنه كان في إحرامه غير محرم، أفكان الفرض عنه موضوعا؟ قيل: لا بل كان عليه وعلى كل واحد أن يؤمن بالله عز وجل ورسوله ويؤدي الفرائض التي أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه، غير أن السنة تدل، وما لم أعلم [المسلمين] اختلفوا فيه أن كل كافر أسلم ائتنف الفرائض من يوم أسلم، ولم يؤمر بإعادة ما فرط فيه في الشرك منها، وأن الإسلام يهدم ما قبله إذا أسلم ثم استقام. هذا لفظه. وهو قول أكثر أصحابنا كما حكاه القاضيان الطبري والماوردي وسليم الرازي في التقريب والشيخ أبو إسحاق والحليمي.
وقال في المنهاج: إنه مفرع على قولنا: إن الطاعات من الإيمان. قال: وقد ورد في الحديث: أن رجلا قال: يا رسول الله أيؤاخذ الله أحدا بما عمل في الجاهلية؟ قال: “من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر” 2. قال: وهذا يدل على المؤاخذة بالنواهي إذا يحسن في الإسلام،
ـــــــ
1 انظر الأم “2/130”.
2 رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله …، حديث “6921” ورواه مسلم “1/111” حديث “120”. بلفظ قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: ” أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام” .