المتأخرين منهم خرجوا على تفريعاتهم، فإن محمدا قال: إن الكافر إذا دخل مكة فأسلم وأحرم لم يكن عليه دم لترك الميقات، لأنه لم يكن عليه، ولو كان للكافر عبد مسلم لا تجب عليه صدقة فطره، ويحل للمسلم وطء زوجته النصرانية إذا خرجت من الحيض لعادتها دون العشرة قبل أن تغتسل، ويمضي عليها وقت صلاة، لأنه ليس عليهم.
وقال السرخسي، لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات في الدنيا والآخرة، وأما في العبادات بالنسبة إلى الآخرة كذلك. أما في حق وجوب الأداء في الدنيا فهو موضع الخلاف، فذهب العراقيون من مشايخنا إلى أنهم مكلفون، لأنه لو لم تجب لم يؤاخذوا على تركها. قال: وهذه المسألة لم ينص عليها أصحابنا، لكن بعض المتأخرين استدلوا من مسائلهم على هذا، وعلى الخلاف بينهم وبين الشافعي، فإن المرتد إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات الردة خلافا للشافعي فدل على أن المرتد غير مخاطب بالصلاة عندنا، ثم ضعف الاستدلال. قال: ومنهم من جعل هذه المسألة فرعا لأصل معروف بيننا وبينهم: أن الشرائع عنده من نفس الإيمان، وهم مخاطبون بالإيمان، فيخاطبون بالشرائع، وعندنا ليست من نفس الإيمان فلا يخاطبون بأدائها ما لم يؤمنوا، وهذا ضعيف، فإنهم مخاطبون بالعقوبات والمعاملات وليس ذلك من الإيمان.
قال ابن القشيري: والقائلون بأنهم غير مخاطبين انقسموا فمنهم من صار إلى استحالة تكليفهم عقلا، ومنهم من لم يحله، ولكنهم مع الجواز لم يكلفوا.
وقال القاضي: أقطع بالجواز، ولا أقطع بأن هذا الجائز وقع، ولكن يغلب على الظن وقوعه.
والثالث : أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، لأن الانتهاء ممكن في حالة الكفر، ولا يشترط فيه التقرب، فجاز التكلف بها دون الأوامر، فإن شرطها العزيمة، وفعل التقريب مع الجهل بالمقرب إليه محال، فامتنع التكليف بها.
وحكى النووي هذه الثلاثة في التحقيق أوجها للأصحاب، وسبق حكاية الأستاذ وابن كج الأولين قولين للشافعي، وعلله الشيخ أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك في كتاب بيان البرهان بأن العقوبات تقع عليهم في فعل المنهيات دون ترك المأمورات. ألا ترى أنهم يعاقبون على ترك الإيمان بالقتل والسبي وأخذ الجزية، ويحد في الزنا والقذف ويقطع في السرقة، ولا يؤمر بقضاء شيء من العبادات، وإن فعلها في كفره لم تصح منه؟ ونقله صاحب اللباب من الحنفية عن أبي حنيفة وعامة أصحابه.