والإلزام لا يتقدم على وقت الفعل، لأن ما تقدم فإنما هو إعلام وإنذار، وأن الأمر على الحقيقة ما قارن الفعل.
وقال الباقون من أصحابنا: إنه يتقدم على وقت الفعل.
واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا على وجوب تقديمه بوقت يحصل به للمأمور فهمه والعلم بما يقتضي منه، فمنهم من قال: لا يجوز تقديمه عليه بأوقات كثيرة، ولا يجوز إلا بوقت واحد إلا لمصلحة، ومنهم من شرط في ذلك شروطا أخرى من كون تقدمه صلاحا للمكلف، ولغيره، وكون المكلف في جميع تلك الأوقات حيا سليما قادرا بجميع شرائط التكليف.
والذي يختاره القاضي أن الأمر المتقدم يجب تقديمه على الفعل بوقتين.
أحدهما : وقت إدراك واستكمال سماعه.
والثاني : لحصول فهمه والعلم بالمراد به. قال: ويبعد أن يقال: إنه يصح إيقاع الفعل في حال العلم بتضمن الأمر، لأنه يحتاج المكلف إلى تقدم دليل له على وجوب الفعل المقتضي لمدة شاملة، ثم تقدم على إيقاع ما حصل له العلم بوجوبه، وإلا لكان مقدما على ما لم يستقر له العلم به.
والكلام في هذا من وجوه:
أحدهما : في وجوب تقديم الأمر على وقت المأمور به.
والثاني : في أن تقدمه لا يخرجه عن أن يكون أمرا وإن كان إعلاما وإنذارا.
والثالث : في تصور تعلق الأمر بالفعل حال إيجاده.
الرابع : في مقدمات ما يتقدم الأمر به على الفعل من الأوقات. قال: والكلام في هذه المسألة إذا تعلق بأوامر الله لم يتصور فيه الخلاف، لأنه يتقدم عندنا على الفعل المأمور به بما لا غاية له من الأوقات، ولأنا لا نعتبر المصلحة في ذلك ولا نوجبها. تقدم الأمر على وقت المأمور به.
وقال القاضي أبو بكر في التقريب: قال المحققون من أصحابنا: الأمر قبل حدوث الفعل المأمور به أمر إيجاب وإلزام، ولكنه يتضمن الاقتضاء والترغيب والدلالة على امتثال المأمور به.
قال: وذهب بعض من ينتمي إلى الحق إلى أن الأمر حقيقة إذا قارن حدوث الفعل، وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذار، وإعلام الوجوب عند الوقوع، وهذا باطل.