البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص340

والذي نختاره: تحقق الوجوب قبل الحدوث وفي حال الحدوث، وإنما يفترق الحالتان في أمر. وهو أنه حالة المقارنة وإن تعلق به لكن لا يقتضي ترغيبا واقتضاء، بل يقتضي كونه طاعة بالأمر المتعلق به.
وزعمت القدرية بأسرها: أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورا به. ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده. ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام الشرعية، فلم يصفوا كائنا يحظر، ولا وجوب ولا ندب، وإنما أثبتوا هذه الأحكام قبل تحقق الحدوث، ثم حكى الخلاف الذي سبق عن القاضي عبد الوهاب، ومنه أخذ القاضي عبد الوهاب.
واختار الرازي: أن الأمر إنما يكون أمرا حال الفعل، وقبله إعلام بالأمر، وليس بأمر، وكذلك اختاره ابن عقيل من الحنابلة.
ورد عليهم بأن الفعل يجب بالأمر، فلو لم يكن ما يقدمه أمرا لاحتاج مع الفعل إلى تجديد أمر.
وأما الحال، أي: حالة وقوع الفعل، فقال أصحابنا: يوصى بكونه مأموما به. قال ابن برهان: وهو قول أهل السنة، ونفاه المعتزلة، وكذا حكاه القاضي أبو بكر، والقاضي عبد الوهاب، وإلكيا الطبري وغيرهم. ونقل عن المعتزلة أنه لا يتعلق الأمر بالفعل حال حدوثه، ولا بد أن يكون متقدما على وقت الفعل، وينقطع التعلق منه حال المباشرة.
وذكر الإمام في البرهان عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أن الفعل في حال حدوثه مأمور به، ثم علله بما يقتضي أنه ليس مأمورا به. وهذا هو الذي يقتضيه أصله في أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله. وأما أصله الآخر، وهو جواز تكليف ما لا يطاق، فهو يقتضي جواز التكليف بالفعل قبل الاستطاعة فلعله بناه على عدم الوقع.
ونقل ابن الحاجب عن الشيخ عدم انقطاع التكليف حال حدوث الفعل وليس بجيد، فليس للشيخ في المسألة صريح كلام، وإنما تلقي من قضايا مذهبه.
وقد نقل الإمام فخر الدين عنه أنه مكلف حال المباشرة، كذا قاله الهندي.
وقال الأصفهاني المتأخر في مصنفه المفرد في هذه المسألة: اعلم أن الأصوليين من الأشعرية والمعتزلة متفقون على أن المأمور بالفعل على وجه الامتثال إنما يكون مأمورا عند القدرة والاستطاعة، لكن للمعتزلة أصل: وهو أن الحادث لا يكون متعلقا للقدرة حال حدوثه كالباقي المستمر الوجود، فإنه لا يكون متعلقا للقدرة.

اكتب تعليقًا