والثاني : أنه حال الوقوع تعلق إلزام، وأما قبله تعلق إعلام بأنه سيصير في زمان الحال مأمورا، ونسبه القاضي إلى بعض من ينتمي إلى الحق. قال: هو باطل.
وادعى القرافي أن إمام الحرمين قال فيه: إنه لا يرتضيه لنفسه عاقل.
وقال القاضي: والذي نختاره تحقق الوجوب على الحدوث، وفي حالة الحدوث، وإنما يفترق الحال في الترغيب والاقتضاء والدلالة، فإن ذلك يتحقق قبل الفعل، ولا يتحقق منه، وما أبطله القاضي اختاره الإمام الرازي في المحصول. ولأجله قال البيضاوي في المنهاج: التكليف يتوجه حالة المباشرة، وهو قضية نقل إمام الحرمين عن الأصحاب.
واختار إمام الحرمين والغزالي مذهب المعتزلة، ورأيا أن الفعل حال الإيقاع لا يتعلق الأمر به، ومدركهم فيه خلاف مدرك المعتزلة، فالمعتزلة بنوه على أصلهم: أن القدرة تتقدم على الفعل وانقطاع تعلقها حال وجوده، وأما الإمام فكاد يوافقهم، لأنه يقول: ما ليس بمقدور لا يؤمر به من يثبت قدرة، ويقول: الحال غير مقدور فلزم تقدم القدرة، فصرح من أجلها بتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه معه. وأما الغزالي فإنه سلم مقارنة القدرة للمقدور، ووافق مع هذا على انتفاء الأمر حال الوقوف، فتوافقا في الأصل، وتخالفا في الفروع، ثم اعتمد هو وإمامه على أن حقيقة الأمر الاقتضاء والطلب، والحاصل لا يطلب.
وجوابه : أنه غير مقتضى حال الإيقاع، ولكنه مع هذا مأمور به بمعنى أنه طاعة وامتثال، وهذا لا ينكره أحد، لأن الطاعة موافقة الأمر، وهذا موافق.
والحاصل: أن الإمام والغزالي قد رأوا أن لا حقيقة للأمر إلا الاقتضاء، وقد يطلب، فبطل بنفسه، وتبعهم ابن الحاجب، وليس كذلك، بل له حقيقة، وهو كونه مأمورا به، وقد اعترض على من قال بتوجه الأمر قبل الفعل على سبيل الإعلام والإلزام بأنه يؤدي إلى أن لا يعصي بترك المأمور به، لأنه إن أتى به فذاك، وإلا فهو غير مكلف.
وأجيب عنه بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والتارك مباشر للترك، وهو فعل منهي عنه حرام، فإثمه من هذه الجهة، وعلى ما سبق من طريقة القرافي لا إشكال.
وقال الشيخ شمس الدين الأصفهاني المتأخر: الحق أن تعلق الأمر بالفعل حال حدوثه لا قبله ليس بصحيح.
أما أولا: فإنهم بنوا على الاستطاعة والقدرة، ولا حاصل لتعلق الأمر بالقدرة رأي الأشعري قاله الإمام، فإن القاعد حال قعوده مأمور بالقيام بالاتفاق، ولا قدرة له