البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص349

الأبدان تعبدت بعمل، فلا يجزئ عنها أن يعمل عنها غيرها ليس الحج والعمرة بالخبر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وبأن فيهما نفقة، وأن الله فرضهما على من وجد إليهما السبيل، والسبيل بالمال. ا هـ.
وأغفل الأصحاب هذا ولم يحفظوا للشافعي فيه نصا وهذا في الجواز الشرعي. وأما العقلي: فقال ابن برهان: مذهب أصحابنا جريان النيابة في التكاليف والعبادات البدنية عقلا، ومنعه المعتزلة وساعدهم الحنفية.
والمسألة مبنية على حرف، وهو أن الثواب معلول الطاعة، والعقاب معلول المعصية عندهم، وعندنا: الثواب فضل من الله والعقاب عدل من الله، وإنما الطاعة أمارة عليه، وكذلك المعصية.
وذكر الآمدي نحوه وحرره الصفي الهندي، فقال: اتفقوا على جواز دخول النيابة في المأمور به إذا كان ماليا، وعلى وقوعه أيضا لاتفاقهم على أنه يجوز للغير صرف زكاة ماله بنفسه، وأن يوكل فيه، وكيف لا، وصرف زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام إما واجب أو مندوب؟ ومعلوم أنه لم يصرفها إلى الفقراء إلا بطريق النيابة.
واختلفوا في جواز دخولها فيه إذا كان بدنيا، فذهب أصحابنا إلى الجواز والوقوع معا محتجين بأنه غير ممتنع لنفسه، إذ لا يمتنع قول السيد لعبده: أمرتك بخياطة هذا الثوب، فإن خطته بنفسك أو استنبت فيه أثبتك، وإن تركت الأمرين عاقبتك، واحتجوا بالنيابة في الحج، وفيه نظر، فإنها لا تدل على جواز النيابة في المأمور به إذا كان بدنيا محضا، بل إنما يدل على ما هو بدني ومالي معا كالحج، ولعل الخصم يجوز ذلك، فلا يكون دليلا عليه كذا قال الهندي لكن الخلاف موجود فيه عند الحنفية.
فقالت طائفة منهم: إن الحج يقع عن المباشر، وللآمر ثواب الإنفاق، لأن النيابة لا تجزئ في العبادات البدنية إلا أن في الحج شائبة مالية من جهة الاحتياج إلى الزاد والراحلة. فمن جهة المباشرة تقع عن المأمور، ومن جهة الإنفاق تقع عن الآمر. لكن المرجح عندهم أنه يقع عن الآمر عملا بظواهر الأحاديث.
واحتج المانع بأن القصد من إيجاب العبادة البدنية امتحان المكلف، والنيابة تخل بذلك. وأجيب بأنه يخل به مطلقا فإن في النيابة امتحانا أيضا.
وزادها بعض المتأخرين تحقيقا، فقال: الأفعال المستندة إلى الفاعلين لا تخلو إما أن تكون شرعية أو لغوية، فإن كانت شرعية فلا تخلو إما أن تكون عبادة أو غيرها،

اكتب تعليقًا