وغير العبادة لا تخلو إما أن ينظر فيها إلى جهة الفاعلية أو إلى جهة الفعل فقط من غير نظر إلى الفاعل. فمن الأول: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا” 1 فأناط الشارع ذلك بالفاعل، فالعبرة فيه به، فتكون عهدة الفعل متعلقة به ولو وكيلا.
ومن الثاني: من باع عبدا وله مال فقصد الشارع تحصيل الفعل، واجتمعا في قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] فالتطليق المراد به تحصيل الفعل سواء كان بنفسه أو بنيابة أو بغيره كما تقرر في الفقه وهذا من الثاني. وحتى تنكح: المراد به الإسناد الحقيقي المتعلق بالفاعل.
وأما العبادات: فلا تخلو إما أن تكون وسيلة أو تقصد، فإن كانت وسيلة فلا تخلو إما أن تكون وسيلة تبعد عن العبادة جدا أو تقرب منها جدا، فإن كانت تبعد جدا، كتحصيل التراب والماء في الوضوء والتيمم، والصب عليه فالإجماع على جواز دخول النيابة فيها، وإن كانت تقرب منها جدا، فإما أن يعتبر فيها القصد أو لا يعتبر. فإن لم يعتبر كتوضئة الغير له أو تغسيله، فالإجماع على جواز الدخول.
وأما القصد فلا يخلو إما أن يكون بدنيا محضا أو مترددا بينهما. فإن كان الأول امتنعت النيابة، كالصلاة والصوم إلا في صورة واحدة، وهي ركعتا الطواف تبعا للحج، وكذا الصوم عن الميت على أصح القولين. وإن كان ماليا محضا كالزكاة دخلت النيابة في تفريقه، لأنه يشبه الوسيلة، إذ المال هو المقصود، وإن كان مترددا بينهما كالحج جاز عند اليأس والموت على ما تقرر في الفقه.
وأما اللغويات: فإن حقيقتها عند الإطلاق مصروفة إلى ما استند إليه الفعل حيث لم يبق ما يعم المجاز، ولا تعتبر العادة على المشهور، لأنها لا تصلح رافعة للحقيقة لتأدية ذلك إلى النسخ، ويمكن أن تجعل مخصصة على طريقة، والقدر المشترك لا يصح، لأنه إنما يكون إذا كان معنا حقيقتان دار الأمر بين أن يجعلهما مشتركين اشتراكا لفظيا، أو يأخذ بينهما قدرا مشتركا، فهنا يقال: القدر المشترك أولى، وأما في حقيقة ومجاز فلا.
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، حديث “2110”. ورواه مسلم “3/164” حديث “1532”.