البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص361

مسألة :
لا يجوز ترجمة القرآن بالفارسية وغيرها بل يجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه، ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسنة. قال الله تعالى: {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] هذا لو لم يكن متحدى بنظمه وأسلوبه، وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي المتحدى بنظمه فأحرى أن لا تجوز بالترجمة بلسان غيره. ومن هاهنا قال القفال في فتاويه: عندي أنه لا يقدر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية. قيل له: فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن. قال: ليس كذلك، لأن هنا يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله. وفرق غيره بين الترجمة والتفسير، فقال: يجوز تفسير الألسن بعضها ببعضه، لأن التفسير: عبارة عما قام في النفس من المعنى للحاجة والضرورة.
والترجمة: هي بدل اللفظة بلفظة تقوم مقامها في مفهوم المعنى للسامع المعتبر لتلك الألفاظ، فكأن الترجمة إحالة فهم السامع على الاعتبار، والتفسير تعريف السامع بما فهم المترجم، وهذا فرق حسن، وما أحاله القفال من ترجمة القرآن ذكره الإمام أبو الحسين أحمد بن فارس عن كتاب فقه العربية أيضا.
فقال: لا يقدر أحد من المترجمين على أن ينقل القرآن إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة، والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب. ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله جل وعلا: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعت فيه حتى تبسط مجموعها، وتفك منظومها، وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء. وكذلك قوله تعالى: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} [الكهف: 11] ا هـ.
وظهر من هذا أن الخلاف المحكي عن أبي حنيفة في جواز قراءته بالفارسية لا

اكتب تعليقًا