وقال بعض المتأخرين: التحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، وأما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم ففيه نظر، فإن إسناد الأئمة السبعة لهذه القراءات موجودة في كتبهم، وهي نقل الواحد عن الواحد، فلم تستكمل شروط التواتر.
وقد يجاب عن هذا على تقدير التسليم بأن الأمة تلقتها بالقبول، واختاروها لمصحف الجماعة، وقطعوا بأنها قرآن، وأن ما عداها ممنوع من إطلاقه، والقراءة به، قاله القاضي أبو بكر في الانتصار. وبهذا الطريق حكم ابن الصلاح أن أحاديث الصحيحين مقطوع بها وإن رويت بالآحاد، لتلقي الأمة لها بالقبول، وهو قول جمهور الأصوليين، أي: أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول أفاد القطع، وإذا كان كذلك فيما يثبت بالواحد، فما ظنك فيما وجد فيه غالب شروط التواتر أو كلها؟ لكن كلام ابن الصلاح هذا قد رده كثير من الناس كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتاب المرشد الوجيز: كل فرد فرد منها متواتر، أما المجموع منها فلا حاجة إلى البينة على تواتره. قال: وقد شاع ذلك على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم. قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب.
قال: ونحن نقول بهذا، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق مع أنه شائع من غير نكير، فإن القراءات السبع المراد بها: ما روي عن الأئمة السبعة القراء المشهورين، وذلك المروي عنهم ينقسم إلى ما أجمع عليه عنهم لم تختلف فيه الطرق، وإلى ما اختلف فيه بمعنى أنه بقيت نسبته إليهم في بعض الطرق، فالمصنفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافا كثيرا، ومن تصفح كتبهم أحاط بذلك، فلا ينبغي أن يقرأ بكل قراءة تعزى إلى إمام من هؤلاء السبعة حتى يثبت ذلك ويوافق لغة العرب.
قال: وأما من يهول في عبارته قائلا: بأن القراءات السبعة متواترة، لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف فخطؤه ظاهر، لأن الأحرف المراد بها غير القراءات السبعة.
والحاصل : أنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها تنقسم إلى متواتر وغيره، وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها كإدغام أبي عمرو، ونقل الحركة لورش، ووصل ميمي الجمع وهاء الكناية لابن كثير، أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءات إليه بعد أن يجهد نفسه في استقراء الطرق