قلت: وذكر أبو بكر الرازي في كتابه أنهم إنما عملوا بقراءة ابن مسعود لاستفاضتها وشهرتها عندهم في ذلك العصر، وإن كان، إنما نقلت إلينا الآن بطريق الآحاد، لأن الناس تركوا القراءة بها، واقتصروا على غيرها، وكلامنا إنما هو في أصول القوم. ا هـ.
وذكر أبو زيد في الأسرار وصاحب المبسوط من الحنفية اشتراط الشهرة في القراءة عند السلف، ولهذا لم يعملوا بقراءة أبي بن كعب، فعدة من أيام أخر متتابعة لأنها قراءة شاذة غير مشهورة، وبمثلها لا يثبت الزيادة على النص، فأما قراءة ابن مسعود فقد كانت مشهورة في زمن أبي حنيفة حتى كان الأعمش يقرأ ختما على حرف ابن مسعود، وختما من مصحف عثمان، والزيادة عندنا تثبت بالخبر المشهور. ا هـ.
تنبيهان:
[التنبيه] الأول:
إن الحامل لهم على نسبة أنها ليست بحجة للشافعي عدم إيجابه التتابع في صوم كفارة اليمين مع علمه بقراءة ابن مسعود، وهو ممنوع، فقد سبق من كلام إلكيا إبطال استنباطه منه، وقد نص رحمه الله في مختصر البويطي على أنها حجة في باب الرضاع، وفي باب تحريم الجمع، فقال: ذكر الله الرضاع بلا توقيت. وروت عائشة التوقيت بخمس، وأخبرت أنه مما أنزل من القرآن، وهو وإن لم يكن قرآنا فأقل حالاته أن يكون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن القرآن لا يأتي به غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لأقضين بينكما بكتاب الله” 1، فحكمنا به على هذا، وليس هو قرآنا يقرأ ا هـ.
وظاهره أنه يعمل بها من جهة كونها خبرا لا قرآنا، وجرى عليه جمهور الأصحاب منهم الشيخ أبو حامد والماوردي، والروياني في الصيام والرضاع، والقاضي أبو الطيب في الصيام ووجوب العمرة، والقاضي الحسين في الصيام، والمحاملي والرافعي في كتاب السرقة، واحتجوا في إيجاب قطع اليمين من السارق بقراءة ابن مسعود “فاقطعوا أيمانهما”.
وقال الروياني في “البحر” في كتاب الصلاة أنها تجري مجرى الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأثر عن الصحابة، نعم الشرط عند الشافعي في ذلك أن لا يخالف رسم المصحف، ولا يوجد غيرها مما هو أقوى منها، ولذلك لم يحتج بقراءة ابن عباس: وعلى الذين يطيقونه فدية مع أن مذهبه وجوب الفدية كما نص عليه في المختصر. قال شارحوه
ـــــــ
1 سبق تخريجه.