: إنما عدل الشافعي عن الاستدلال بهذه القراءة، لأنها تشذ عن الجماعة، وتخالف رسم المصحف.
قلت: أو لأنه رأى أنه لا استدلال بها مع وجود ما هو أقوى منها، فإن الله تعالى كان قد خير أولا بين الصيام وبين الإفطار والفدية، ثم ختم الصيام بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وبقي من لم يطق على حكم الأصل في جواز الفطر ووجوب الفدية.
ويخرج من كلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرط آخر، فإنه قال في كتابه التذكرة في الخلاف: القراءة الشاذة إنما تلحق بخبر الواحد إذا قرأها قارئها على أنه قرآن، فإن ذكرها على أنها تفسير فلا، كقراءة ابن عمر: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها وقراءة أبي بن كعب: فعدة من أيام متتابعات. ا هـ.
وفيما قاله في التفسير نظر على رأي من يجعله في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وممن صرح بها من الأصوليين أبو بكر الصيرفي فقال في كتاب “الدلائل والأعلام”: ما روي آحادا من آي القرآن كرواية ابن عمر آية الرجم 1 وخبر عائشة في الرضاع 2 وخبر زيد بن أرقم: “لو كان لابن آدم واديان من الذهب لابتغى لهما ثالثا” 3 فإنها ثابتة الأسانيد صحيحة من جهة النقل. ونحن نثبت ما قالوا على ما قالوا غير متأولين عليهم ما لم يظهر لنا إلا أن لا نجد وجها غير التأويل، وذلك لأن من القرآن ما نسخ رسمه وبقي حكمه، وإنما تجب تلاوة المرسوم، فأما ما بقي حكمه فلا تجب تلاوته.
ـــــــ
1 يشير إلى ما رواه البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، برقم “7323” وفيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل آية الرجم”. ورواه مسلم “3/1317″، برقم “1691” ورواه ابن ماجه “2/853″، برقم “2553” مطولا بلفظ ” لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما أجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا يترك فريضة من فرائض الله، ألا وإن الرجم حق إذا أحصن الرجل وقامت البينة، أو كان حمل، أو اعتراف. وقد قرأتها: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فرجموهما البتة”. رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.
2 يشير إلى ما رواه مسلم في صحيحه “3/1075” كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، حديث “1452” عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن “عشر رضعات معلومات يحرمن” ثم نسخ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن.
3 الحديث رواه البخاري، كتاب الرقاق باب ما يتقى من فتنة المال، حديث “6436” ورواه مسلم “2/725” حديث “1048”.