مسألة: [وضع اللفظ المشهور في معنى خفي جدا]
منع الرازي أن يوضع اللفظ المشهور في معنى لمعنى خفي جدا، فالغرض من هذه المسألة الرد على مثبتي الحال، لأنهم يقولون: الحركة اسم لمعنى يجعل الاسم متحركا، والمشهور نفس الانتقال لا معنى أوجب الانتقال، وجوزه الأصفهاني فإن أسماء الله تعالى مشهورة، وبإزائها معان دقيقة غامضة لا يفهمها إلا الخواص العارفون بالله، وبأن الإنسان يدرك معاني لطيفة فيخترع لها ألفاظا بإزائها.
[فائدة الوضع] الخامس: في فائدة الوضع، والمعاني المفردة معلومة في الذهن قبل وضع اللفظ، وفائدة وضع اللفظ تصورها عند التلفظ لتوقف فهم النسبة التركيبية عليه، فإذن الفائدة الحاصلة من الألفاظ المفردة تصور معانيها وشعور الذهن بها لا معرفة معانيها، فلا يلزم الدور، وتصور النسبة موجود في الذهن قبل وجود اللفظ، والفائدة الحاصلة باللفظ مع الحركات المخصوصة والتركيب المخصوص معرفتها واقعة أو وقعت أو ستقع، فالموقوف عليها التصديق لا التصور فلا دور أيضا.
[الواضع] السادس: في الواضع: وقد اختلف فيه على مذاهب:
أحدها : قول الشيخ أبي الحسن الأشعري وبعض أتباعه كابن فورك أنها توقيفية، وأن الواضع هو الله تعالى وحده، وأعلمها للخلق بالوحي إلى الأنبياء أو بخلق الأصوات في كل شيء أو بخلق علم ضروري لهم، وحكاه ابن جني في الخصائص عن أبي علي الفارسي، وجزم به ابن فارس.
والثاني : أنها إلهام من الله تعالى لبني آدم كأصوات الطيور والبهائم حيث كانت أمارات على إرادتها فيما بينها بإلهام الله تعالى، حكاه صاحب “الكبريت الأحمر” عن أبي علي الفارسي، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا {قرآنا عربيا لقوم يعلمون} [سورة فصلت: 2] ثم قال: “ألهم إسماعيل هذا اللسان إلهاما” 1 ثم قال: صحيح الإسناد، وقال الذهبي في مختصره: حقه أن يقول على شرط مسلم، ولكن مدار الحديث على إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الغسيلي، وكان ممن
ـــــــ
1 رواه الحاكم في المستدرك “2/476″، برقك “3641” وقال عنه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: مدار الحديث على إبراهيم بن إسحاق العسيلى وكان ممن يسرق الحديث.