أما يقوم بالغيبة، ففيه قولان عند المنطقيين، فقيل: هو مفرد، وقيل: هو مركب، ونقل عن ابن سينا، والصحيح عند المتأخرين: أنه مركب كسائر الأفعال المضارعة، وإنما قالوا: حين هو جزؤه ليحترزوا من مثل أبكم، وإنسان، فإن كل واحد من جزئه يدل على معنى لكن لا على جزء مسماه حين هو جزؤه، وإنما يدل على معنى في الجملة، ألا ترى أن الأب اسم للوالد، و كم اسم للعدد؟ لكن لا من حيث إن كل واحد من اللفظين جزء من الآخر حين هو جزؤه، وكذلك: إنسان، ألا ترى أن إن حرف شرط يدل على الشرطية؟ لكن لا من حيث هي جزء إن.
وزعم الزمخشري وتبعه ابن يعيش في أول شرح المفصل وابن إياد أن الرجل مركب فإنه يدل على معنيين التعريف والمعرف، وهو من جهة النطق لفظة واحدة وكلمتان، وكذلك ضربا و ضربوا، قال الزنجاني في الهادي: وهذا غلط، لأن الرجل ونظائره لفظتان لا لفظة واحدة، ثم ينتقض ما ذكره بنحو ضرب، فإنه يدل على معنيين الحدث والزمان، وأنه كلمة باتفاق.
قلت: لعل الزمخشري بناه أن المعرف اللام وحدها، وحينئذ فهي لفظة واحدة، واللام كالتنوين في زيد، فإن قلنا: إن المعرف أل فهو لفظتان لإمكان التلفظ بها وحدها.
والحاصل : أن أمثلة المضارع خلا الغائب مركبات قطعا، وأمثلة الماضي مفردات قطعا، وأمثلة الأوامر مركبات عند المنطقيين.
وصرح ابن مالك في أول شرح التسهيل بأن ياء النسب، و ألف ضارب وميم مكرم، يدل على معنى، ولكن لا بالوضع.
وقال ابن الساعاتي: المجموع هو الدال على شخص مسمى بذلك، لا أن الحرف دل بنفسه.
ومأخذ الخلاف بينهم أن النحاة يترجح نظرهم في جانب الألفاظ، وأولئك يترجح نظرهم في جانب المعاني، وعلى هذا عبد الله ونحوه، إن أريد به العلمية كان مفردا بمثابة زيد وعمرو، لأن جزأها لا يدل على معناها، وإن أريد به نسبة العبودية إلى مستحقها، فهي مركبة، لدلالة جزئها على جزء معناها.
وقد اجتمع الأمران في حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: كان ابن عمر يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه وعليه إزار يتقعقع، يعني جديدا، فقال: “من هذا؟” فقلت: عبد