البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص447

والتحقيق : أن الاشتقاق يحد تارة باعتبار العلم، وتارة باعتبار العمل. ففي الأول إذا أردت تقرير أن الكلمة مم اشتقت؟ فإنك تردها إلى آخر لتعرف أنها مشتقة، والثاني إذا أردت أن تشتق الكلمة من شيء فإنك تأخذها منه، فقد جعلتها مشتقة منه، فالتفاوت إنما يحصل من الرد والأخذ، فهذا قبل الاشتقاق، والأول بعده.
والمختار على الأول: أنه رد لفظ إلى آخر أبسط معنى منه حقيقة أو مجازا لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية كضارب وضرب من ضرب، فحكمنا باشتقاق ضرب وضارب لأن ضربا أبسط منه، والبسيط قبل المركب فشمل اللفظ الأسماء والأفعال على المذهبين والحروف.
قال ابن جني: الاشتقاق كما يقع في الأسماء يقع في الحروف، فإن نعم حرف جواب. وأرى أن نعم، والنعم، والنعماء، والنعيم مشتقة منه وكذلك أنعم صباحا، لأن الجواب به محبوب للقلوب، وكذلك سوفت من سوف الذي هو حرف تنفيس، ولوليت إذا قلت له: لولا، وليليت إذا قلت له: لا لا، ثم قد يكون المعنى المشتق حقيقة، كضارب من الضرب، وقد يكون مجازا على جهة الاتساع نحو ضرب في الغنيمة وغيرها بسهم أي أخذ، وضارب لفلان بماله، ومال فلان ضربت أي: نيل، لأنهم كانوا إذا اقتسموا غنيمة أو غيرها ضربوا عليها بسهام القرعة وهي الأقلام، ثم اضطرد ذلك في كل من أخذ نصيبا من شيء قد ضرب فيه بسهم، والمضاربة بالمال مشتقة من الضرب في الأرض وهو السفر، لأن المضارب يسافر عالما ليطلب الربح، ثم اطرد ذلك في كل مسافر وإن لم يضارب.
وخرج باشتراط المناسبة ما لا يناسبه أصلا، وبالحروف عما لا يوافقه في الحروف، بل في المعنى كمنع وحبس فلا يقال: إن أحدهما مشتق من الآخر، وبالأصلية التناسب في الزيادة كدخل، فإنه مشتق من الدخول مع أنه غير موافق مصدره في الواو، لأنها زائدة، والمناسبة في المعنى ما يوافق في اللفظ دون المعنى، كضرب بمعنى سافر، لا يكون مشتقا من الضرب بمعنى القتل. وشرط بعضهم الترتيب في الحروف أي أن تبقى حروف الأصل في الفرع على ترتيبها في الأصل، وترجع تفاريع المادة الواحدة منه إلى معنى مشترك في الجملة، كضرب من الضرب، وكما دل قولنا إلى آخر على تغاير اللفظين كذلك قولنا: لمناسبة بينهما في المعنى يدل على تغاير المعنيين، إذ الشيء لا يناسب نفسه، وحينئذ فلا يرد المعدول لأنه لا مناسبة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى.

اكتب تعليقًا