وقال الأستاذ أبو منصور: معاذ الله أن يصح هذا النقل عن الشافعي بل الواو عنده لمطلق الجمع، وإنما نسب للشافعي من إيجابه الترتيب في الوضوء، ولم يوجبه من الواو بل لدليل آخر، وهو قطع النظير عن النظير، وإدخال الممسوح بين المغسولين، والعرب لا تفعل ذلك إلا إذا أرادت الترتيب.
قلت: والذي يظهر من نص الشافعي أن الواو عنده لا تفيد الترتيب لغة وتفيد في الاستعمال الشرعي فإنه أوجب الترتيب في الوضوء لظاهر الآية، ولم يقتصر عليها بل تمسك بما صح من حديث جابر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا يقول: “نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا1” وعلى هذا فإذا ترددنا فيه وجب حملها على المحمل الشرعي فإنه مقدم على اللغوي، وبهذا يجتمع كلامه، ويرتفع الخلاف ويزول الاستشكال.
وقال ابن الأنباري في مصنفه “المفرد” في هذه المسألة: وما نقل عن ابن درستويه والزاهد وابن جني وابن برهان والربعي من اقتضائها الترتيب فليس بصحيح، وكتبهم تنطق بضد ذلك. نعم، لما ذكر علي بن عيسى الربعي في “شرح كتاب الجرمي” أن الواو للجمع قال: هذا مذهب النحويين والفقهاء إلا الشافعي، ولقوله وجه. انتهى.
وهذا لا يدل على أنه كان يذهب إليه.
وقال الشيخ أبو حيان: حكاية الإجماع على أنها للجمع غير صحيح.
وقال ابن مالك في “شرح الكافية “: زعم بعض الكوفيين أنها للترتيب، وعلماء الكوفة براء من ذلك، ونقله ابن برهان النحوي عن قطرب والربعي واستدل لهما بقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران:18] وبقوله: {إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة:2] ثم رد ذلك، واستدل على أنها ليست للترتيب بقوله: {فكيف كان عذابي ونذر} [القمر:16] قال: والنذر قبل العذاب بدليل {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}
ـــــــ
1 أخرجه أبو داود في سننه”2/182” كتاب المناسك، باب: صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم “1905” وأخرجه الترمذي “3/216” في كتاب الحج، باب: ماجء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، برقم “862” ورواه النسائي “5/235” في كتاب مناسك الحج، باب: القول بعد ركعتي الطواف، برقم “2961” ورواه ابن ماجه”2/1022″ في كتاب المناسك، باب: حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم “3074”، برقم “3074” وهو حديث صحيح.