البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص7

[سورة الاسراء:15].
ومن حجج القائلين بالترتيب ما رواه البخاري عن البراء قال: “أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل وأسلم؟ قال: “أسلم ثم قاتل”، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عمل قليلا وأوجر كثيرا1″ .
وأسند ابن عبد البر في “التمهيد” إلى ابن عباس قال: ما ندمت على شيء لم أكن عملت به ما ندمت على المشي إلى بيت الله أن لا أكون مشيت، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين ذكر إبراهيم وأمر أن ينادي في الناس بالحج {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} [الحج:27] فبدأ بالرجال قبل الركبان2. قال: فهذا ابن عباس قد صرح بأن الواو توجب عنده الترتيب، انتهى.
وأما احتجاجهم بحديث:”بئس الخطيب أنت3″ فلا حجة فيه; لأنه إنما نهاه; لأن الأدب أن لا يجمع بين اسم الله وغيره في ضمير، ولهذا قال: {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} [الأحزاب:22] ولم يقل: وصدقا بل فيه تنبيه على أنها للجمع لا للترتيب، وذلك أن لفظ هذا الضمير وهو “هما” بمنزلة التثنية في الأسماء الظاهرة المتفقة في قولك: الزيدان والعمران، ولا يختلفون في أن أصل التثنية العطف، وحكم ضمير التثنية حكم التثنية في أنه لا يتصور فيها ترتيب في المعنى ولا تقديم احتفال في اللفظ.
وأما وجوب الترتيب في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة:277] حيث رتب العمل على الإيمان، ولم يعتبر بدونه، فلم يستفد ذلك من الواو بل من دليل خارجي.
وهو قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} [طه:112].
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب: عمل صالح قبل القتال، برقم “2808”. ورواه مسلم، كتاب الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، برقم”9001″.
2 ذكره الإمام ابن حجر في فتح الباري في باب قول الله تعالى {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}قال: وروى ابن أبي حتم من طريق محمد بن كعب عن ابن عباس “ما فاتني شيء أشد علي أن لا أكون حججت ماشيا، لأن الله يقول: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر}فبدأ بالرجال قبل الركبان” انظر فتح الباري”3/380″
3 رواه مسلم”3/594″ كتاب الجمعة، باب: “تخفيف الصلاة والخطبة”، برقم”870” عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بئس الخطيب أنت” قل “فمن يعصي الله ورسوله فقد غوى”.

اكتب تعليقًا