الإثبات، وأما في النفي فهي تتناول كل واحد على حياله، كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الانسان:24] وقوله: {أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام:146] ففي كل واحد على حياله لا على تعين الجمع; ولهذا قال أصحابنا فيمن قال والله لا أكلمن زيدا أو عمرا: إنه يحنث بكلام أيهما وقع. وحكى السيرافي في “شرح سيبويه” أن المزني من أصحاب الشافعي سئل عن رجل حلف: والله لا كلمت أحدا إلا كوفيا أو بصريا. فقال: ما أراه إلا حانثا. فذكر ذلك لبعض الحنفية، فقال: خالف الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا} [الأنعام:146]إلى قوله: {إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام:146] وكل ذلك ما كان مباحا خارجا بالاستثناء من التحريم. وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام:”لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي1″ فالقرشي والثقفي جميعا مستثنيان، فرجع المزني إلى قوله. ويرد على ما قرره في النفي ما ذكره الزمخشري في قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} [الأنعام:158] يعني أن مجرد الإيمان بدون العمل لا ينفع ولا يحمل على عموم النفي أي: أنه لا ينفع الإيمان حينئذ النفس التي لم تقدم الإيمان ولا كسبت الخير في الإيمان; لأنه إذا نفي الإيمان كان نفي كسب الخير في الإيمان تكرارا فيجب حمله على نفي العموم أي: النفس التي لم تجمع بين الإيمان والعمل الصالح.
تنبيه
“أو”: لها استعمالان في التخيير:
أحدهما: أن يستوي طرفاه عند المأمور ولا يؤمر فيه باجتهاد، كآية الكفارة. الثاني: أن يكون مأمورا فيه بالاجتهاد، كقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد:4] فإن الإمام يتخير في الأسير تخير اجتهاد ومصلحة لا تشه.
وقد تدخل “أو” للتبعيض والتفصيل ، وهو أن يذكر عن جماعة قولين مختلفين على أن بعضهم قال أحد القولين، وبعضهم قال القول الآخر، كقولك: أجمع
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في سننه”5/730″، في كتاب المناقب، في ثقيف وبني حنيفة، برقم”3945″ ورواه أبو داود برقم”3537″ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية،إلا أن تكون مهاجرا قرشيا أو نصاريا أو دوسيا أو ثقيفا” وهو حديث صحيح.