أو في جانب النفي بأن يكون هو المقصود، والقرائن ترشد إلى المراد، وهو في العمد الكبرى في فهمه، نحو {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} [محمد:36] {إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف:110] {إنما أنت منذر} [الرعد:7] فإن جميع هذه الأوصاف التي دخلت عليها “إنما” ليست للعموم بل تختص كونها لعبا ولهوا بمن لا يريد بعمله فيها الآخرة والتزود بها، والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينحصر في البشرية والنذارة بل له أوصاف أخرى جليلة زائدة على البشرية والنذارة، لكن فهم منه أنه ليس على صفة تقتضي العلم بالغيب، أو أنها في قوله صلى الله عليه وسلم :”إنما أنا بشر مثلكم1″ تختصمون إلي” ، وفي {إنما أنا بشر مثلكم} في الآية الكريمة يفهم من أنه ليس قادرا على خلق الإيمان قهرا لسبق قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما أنا بشر مثلكم} [فصلت:6-5] أي: والله أعلم لا أقدر على إجباركم على الإيمان. وكذلك أمر النذارة لا ينحصر فيها {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} [الفتح:8]
إذا عرفت هذا فإن دلت القرائن والسياق على التخصيص فاحمله على العموم فيما دخلت عليه “إنما” على هذا حمل ابن عباس “إنما الربا” على العموم حتى نفى ربا الفضل، وقيل: إنه رجع عنه، وحمل غيره “إنما الماء من الماء” على ذلك ولم يوجب الغسل بالتقاء الختانين، ومن خالف في الأمرين فبدليل خارجي.
الرابع: زعم النحويون أن الأخير هو المحصور، فإذا قلت: إنما زيد قائم، فالقائم هو المحصور، وإذا قلت: إنما المال لك، فالمحصور أنت أي: لا غيرك، وإذا قلت: إنما لك المال، فالمحصور المال أي: لا غيره، وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم:”إنما الأعمال بالنيات2″ لا يحسن الاحتجاج به على مشروعية النية في كل عمل; إذ المحصور النية لا العمل، ولكن إجماع الأئمة على خلافه.
وأجمع النحاة على أنه متى أريد الحصر في واحد من الفاعل والمفعول مع “إنما”
ـــــــ
1 جزء من حديث رواه البخاري، برقم “7181” بلفظ إنما أن بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها”. ورواه مسلم”3/1337″ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، برقم “1713”.
2 رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب:”بدء الوحي”، برقم “1”. ومسلم “3/1515” كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنية” وأنه يدخل فيه الغزو وغيره، برقم”1907″.