البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص78

صفاته الذاتية وغيرها بلفظ “كان” كثيرا {كان الله سميعا عليما} [النساء:148] {واسعا حكيما} [النساء:130] {غفورا رحيما} [النساء:96] {توابا رحيما} [النساء:16] وأنها لم تفارق ذاته، ولهذا يقدرها بعضهم بما زال فرارا مما يسبق إلى الوهم من أن “كان” تفيد انقطاع المخبر به من الوجود، كقولهم: دخل في خبر كان. قالوا: فكان وما زال أختان فجاز أن تستعمل إحداهما في معنى الأخرى مجازا بالقرينة، وهو تكلف لا حاجة إليه، وإنما معناها ما ذكرنا من أزلية الصفات ثم يستفيد معناها من الحال، وفيما لا يزال بالأدلة العقلية باستصحاب الحال وحيث الإخبار بها عن صفة فعلية، فالمراد تارة الإخبار عن قدرته عليها في الأزل، نحو كان الله خالقا ورزاقا ومحييا ومميتا، وتارة تحقيق نسبته إليه نحو {وكنا فاعلين} [الانبياء:79]وتارة ابتداء الفعل وإنشاؤه، نحو {وكنا نحن الوارثين} [القصص:58] فالإرث إنما يكون بعد موت المورثين، والله – سبحانه وتعالى – مالك كل شيء على الحقيقة من قبل ومن بعد، وحيث أخبر بها عن صفات الآدميين فالمراد بها التنبيه على أنها غريزية وطبيعية نحو {وكان الأنسان عجولا} [الاسراء:11] {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب:72] ويدل عليه {إن الأنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا} [المعارج:21] أي: خلق على هذه الصفة، وهي حال مقدرة، أو بالقوة لم يخرج إلى الفعل، وحيث أخبر بها عن أفعاله دلت على اقتران مضمون أمر الجملة بالزمان نحو {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} [الانبياء:90] ومن هذا الثاني الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ “كان” نحو كان يقوم، وكان يفعل. وسنتكلم عليه في باب العموم إن شاء الله تعالى.
الخامسة:
النسبة المنفية إذا قيدت بحال تسلط النفي على الحال، وللعرب فيه طريقان: أكثرهما نفي المقيد، وهو الحال، فتقول: ما زيد أقبل ضاحكا فيكون الضحك منفيا، وزيد قد أقبل غير ضاحك
والثاني: نفي المقيد والقيد، فيكون زيد لم يضحك ولم يقبل، ومن ثم رد على أبي البقاء تجويزه عمل {بمؤمنين} في الحال، وهو {يخادعون} إذ ليس معنى الآية نفي الخداع ألبتة، والعجب منه كيف تنبه فمنع الصفة؟ وعلله بما ذكرنا، وأجاز الحال ولا فرق.
ولأبي البقاء أن يقول: الفرق واضح، فإذا قلت: ما زيد ضاحك راكبا فمعناه

اكتب تعليقًا