البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص150

الأضداد. فأما الثاني فقد نقل القاضي فيه الإجماع، وقال أبو نصر بن القشيري: أنا لا أشك أن هذا ممنوع، ثم ذكر أن القاضي قال: إن منع ذلك مانع قيل له: هذا خرق ما عليه الكافة مع أنا نلجئه إلى ما قيل له به، فنقول: إذا ورد الأمر على الجزم بشيء وهو مقيد بالفور وانتفى عنه سمة التخيير، فتحريم ضد الامتثال لا شك فيه; إذ لو لم يحرم فما معنى وجوب الامتثال؟ انتهى.
وأما الأول فلا سبيل إلى القول به مع تجويز عدم خطوره بالبال، وعلى تقدير الخطور فليس الضد مقصودا بالذات، وإنما هو ضروري دعا إليه تحقق المأمور به، وليس كل ضروري للشيء يقال له: إنه مدلوله أو يتضمنه.
قال: وهذا التحقيق تحرير في أن الآمر بالشيء ليس ناهيا عن أضداده; لأن الأمر للقيام طالب له، وقد يخطر له ضده، فكيف يطلب؟
واعلم أنهم اتفقوا على أن عين الأمر لا يكون نهيا عن ضد المأمور به، وكذا النهي عن الشيء لا يكون أمرا بضد المنهي عنه، لكنهم اختلفوا في أن كل واحد منهما هل يوجب حكما في ضد ما أضيف إليه؟ فذهب أبو هاشم وغيره من متأخري المعتزلة إلى أنه لا حكم له في ضده أصلا بل هو مسكوت عنه، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي، وذهب بعض المعتزلة كعبد الجبار وأبي الحسين إلى أن الأمر يوجب حرمة ضده، وذهب جماعة من محققي الحنفية إلى أنه يدل على كراهة ضده.
وفائدة الخلاف: أن من قال: لا يقتضي تحريم الضد، قال: إذا أدى الاشتغال به إلى فوات المأمور به حرم; لأن تفويت المأمور به حرام، فلما نهى المحرم عن لبس المخيط دل على أن من السنة لبس الإزار والرداء.
تنبيهات
الأول
أطلقوا الأمر، وهو يشمل الواجب والمندوب، وبه صرح القاضي في مختصر “التقريب” وجعلها نهيا عن الضد تحريما وتنزيها، ونقل تخصيصه بالواجب عن بعض أهل الحق، وهو الذي حكاه القاضي عبد الوهاب في “الملخص” عن الشيخ، فقال: ذهب الشيخ إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان له ضد واحد، وأضداده إن كان ذا أضداد. وحكى القاضي أنه – يعني الشيخ – شرط في ذلك أن يكون واجبا لا ندبا.
قال: وقد حكي عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه: إن الندب حسن وليس

اكتب تعليقًا