فقال به جملة1. وقد سبق في مسألة صيغ العموم نقل الصيرفي مثل ذلك عن نصوص الشافعي الكثيرة. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في كتابه: اتفق أصحابنا على أن العموم إذا ورد وسمعه المكلف وفهم ما يجب، وجب عليه عرضه إذا أراد تنفيذه على ما يقدر من أدلة العقول وأصول الشرع، فإن كان فيه ما أوجب تخصيصه خصه به، وإلا أجراه على ظاهره فيما اقتضاه لفظه، وهذا وقف منه على مقدار الاجتهاد، وليس هو من جنس ما تقوله الواقفية. انتهى.
وقال القفال الشاشي في “أصوله”: إذا ورد الخطاب باللفظ العام نظر، إن وجد دليل يخص اللفظ كان مقصودا عليه، وإلا أجري على عمومه، لأن العام محتمل للتخصيص، فلا يجوز الهجوم على الحكم دون النظر في المراد به، فإن قيل: فما الذي يعتقده السامع قبل النظر؟ قلنا: قد يقترن بالخطاب من دلالة الحال ما يقف به السامع على مراد الخطاب، وقد يتقدم الخطاب ما يتعقل لتخصيص اللفظ وقرينته عليه، كما ورد أنه لما نزل قوله تعالى: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام:82] شق ذلك على الصحابة; فقال النبي صلى الله عليه وسلم “إن الشرك لظلم عظيم” [لقمان:13] إذا ورد الخطاب مجردا من دلالة تقترن به، فالواجب على المخاطب قبل النظر أن يعتقد ما حصل عنده من ظاهر اللفظ، فإنه حق ولا يعتقد انصرافه إلى عموم ولا إلى خصوص; لأنه إنما يجوز اعتقاد الشيء على ما هو به، وليس عنده قبل النظر في هذا أكثر من اللفظ العام، فالعام يرد عليه الحادثة وجهين فلا يعتقد في حكمها شيئا بعينه إلى أن ينظر فيتبين له الحكم. انتهى.
وقد احتج بعضهم على العمل قبل البحث عن المخصص بما في الصحيحين عن حديث أبي عبيدة في العنبر الذي ألقاه البحر، فإن أبا عبيدة حكم بتنجيس ميتة البحر تمسكا بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار مع أن عموم القرآن في الميتة مخصص بقوله:”هو الطهور ماؤه، الحل ميتته” ولم يكن عنده ولا عند أحد من أصحابه خبر من هذا المخصص. وحصل بما ذكرنا أن في هذه المسألة عندنا طريقتين:
إحداهما: حكاية لقولين أو وجهين.
والثانية: القطع بوجوب البحث من غير خلاف على طريقة الأستاذ أبي إسحاق، والقولان الأولان مشهوران من غير مذهبنا. ولهم فيها أيضا ثلاثة أقوال
ـــــــ
1 الرسالة ص “294”