وقطع به إمام الحرمين في كتاب العموم، فقال: إن العموم إذا ورد وقلنا باستعماله، فإنما يتناول الغالب دون الشاذ النادر الذي لا يخطر ببال القائل، كذا حكاه عنه ابن العربي في كتاب الزنى من كتابه “القبس”، لكن حكى الرافعي في باب الوصية خلافا فيما إذا أوصى لعبد مبعض، وبينه وبين سيده مهايأة، ينبني على أن الأكساب النادرة: هل تدخل في المهايأة؟ ثم قال: وتردد الإمام فيما إذا صرحا بإدراج الأكساب النادرة في المهايأة أنها تدخل لا محالة أو تكون على الخلاف؟ وفيما إذا عمت الهبات والوصايا في قطر أنها تدخل لا محالة كالأكساب العامة، أو هي على الخلاف؟ لأن الغالب فيها الندور. انتهى.
ويجيء مثل هذا فيما لو عم بعض النادر في قطر، هل يدخل في العموم؟ وقل من تعرض لذكر الخلاف في هذه المسألة. وقيل: إن الشيخ أبا إسحاق حكاه، ولم أره في كتبه. وإنما حكوا في باب التأويل الخلاف في تنزيل العام على الصورة النادرة بخصوصها، فنقل ابن برهان في “الأوسط” في الكلام على أن السبب لا يخصص: أن الصورة النادرة بعيدة عن البال عند إطلاق المقال، ولا تتبادر إلى الفهم، فإن اللفظ العام لا يجوز تنزيله عليها، لأنا نقطع بكونها غير مقصودة لصاحب الشرع لعدم خطورها بالبال. قال: وبنى على هذا أصحابنا كثيرا من المسائل: منها: أنهم أبطلوا حمل أبي حنيفة حديث: “لا نكاح إلا بولي1” على المكاتبة، وقالوا المكاتبة نادرة من نادر، لأن الأصل في النساء الحرائر، والإماء نادرة بالنسبة إليهن، والمكاتبات نادرة بالنسبة إلى الإماء، فلا يجوز تنزيل العام عليها.
وذكر إلكيا الهراسي في هذه المسألة تفصيلا، فقال: تخصيص العام بالصورة النادرة إن تقدم عهد يدل عليه لم يبعد، مثل أن يقول: أيما رجل دخل الدار أكرمه، ثم يقول: عنيت به من تقدم ذكرهم من خواصي وإن لم يظهر سبق عهد، فاختلفوا فيه، فقيل: يجوز تخصيص اللفظ به اتكالا على احتمال اللفظ القرائن. وقيل: لا يجوز إزالة الظاهر بناء على تقدير حكايات وقرائن، فإن ذلك لا يسلم عنه
ـــــــ
1 رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب، برقم “2085” ورواه الترمذي، كتاب النكاح، باب: ماجاء لا نكاح إلا بولي، برقم “1101” ورواه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، برقم “1880”.