ومثله الشيخ تقي الدين بقوله عليه السلام:”فيما سقت السماء العشر1″، فإن اللفظ عام في القليل والكثير، لكن ظهر أن المقصود منه بيان قدر المخرج، لا قدر المخرج منه، ويؤخذ ذلك من قوله:”ليس فيما دون خمس أوسق2″، فهذا لا عموم له في قصده، والحنفي يحتج به في وجوب الزكاة في الحرث، سواء القليل والكثير، والسياق لا يقتضيه.
قال الشيخ: والتحقيق عندي أن دلالته على ما لم يقصد به أضعف من دلالته على ما قصد به، ومراتب الضعف متفاوتة، والدلالة على تخصيص اللفظ وتعين المقصود مأخوذة من قرائن، وتضعف تلك القرينة عن دلالة اللفظ على العموم، ومن فوائد هذا أن ما كان غير مقصود يخرج عنه بذلك قرينة الحال، لا يكون في قرينة الذي يخرج به العموم عن المقصود، وهذه هي مسألة القاضي عبد الوهاب التي حكى فيها الخلاف في وقف العموم على المقصود وعدمه.
الثالثة: ما يحتمل الأمرين، ولم يظهر فيه قرينة زائدة تدل على التعميم ولا على عدمه، كقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء:141] فيحتج به على إبطال شراء الكافر للعبد المسلم، فإن الملك نفي السبيل قطعا ويجوز
ـــــــ
1 جزء من حديث: رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، برقم ” 1483″ ولفظه”فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر” ورواه مسلم بمعناه “2/675″، برقم “981”.
قال الحافظ بن حجر في الفتح: قوله “عثريا” بفتح المهملةوالمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، وحكي عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب وحكى ابن عديس في المثلث فيه ضم أوله وإسكان ثانيه قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى:وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء المطر في سواق تشق له قال:واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يعثر فيها.
قال ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤونة، أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبا من وجهها فيصل إليه عروق الشجر فيستغنى عن السقي، وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عبيد أن العثري ما سقته السماء، لأن سياق الحديث يحتاج إلى المغايرة، وكذا قول من فسر العثري بأنه الذي لا حمل له لأنه لا زكاة فيه، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرناها خلافا قوله:”بالنضح” بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة أي:بالسانسية، وهي رواية مسلم والمراد بها الإبل التي يستقى عليها،وذكر الإبل كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك في الحكم
.2 جزء من حديث: رواه البخاري،كتاب الزكاة، باب: زكاة الورق، برقم “1447”، وفي الباب: ليس فيم دون خمسة أوسقه صدقة، برقم “1484” ورواه مسلم “2/273” كتاب الزكاة، باب: باب، برقم “979”