البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص231

حيث قال: فتركن، وقياس ما قالوا: تركت، وجوابه ما سبق، ولأن الضمير يعود على العيون التي دل عليها كل عين، ولا يعود على كل عين ليفيد أن ترك كل حديقة كالدرهم ناشئ عن مجموع العيون، لا عن كل واحدة.
الثاني: أن يضاف إلى المعرفة ، والأكثر مجيء خبرها مفردا كقوله تعالى: {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم:95]. وقوله عليه السلام حكاية عن ربه:”يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته1″، وقوله: “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته2” ويجوز الجمع حملا على المعنى. وكلام الأصوليين يقتضي أن الحكم في هذه الحالة كما في التي قبلها من دلالتها على كل فرد، وأن دلالتها فيه كلية، واقتضى كلام بعض الأصوليين وابن مالك أن مدلولها في هذه الحالة المجموع فإنه جوز فيها اعتبار اللفظ والمعنى; ولهذا جعل صاحب “البديع” من الحنفية “كل الرجال” كلا مجموعيا.
وقال ابن فورك: القائل: كل حبة من البر غير متقومة، صحيح، لأنه كلي عددي، بخلاف ما إذا قال: كل الحبات منه غير متقوم، فإنه غير صحيح; لأن المراد المجموع، وقد استضعف هذا منه، فإن “كل” إذا أضيف إلى معرفة جمع كانت ظاهرة في كل فرد كما دل عليه الأمثلة السابقة.
وقد نقل ابن السراج عن المبرد في قول القائل: أخذت العشرة كلها، أن إضافة “كل” إلى العشرة كإضافة بعضها إليها، وأن الكل ليس المعنى الجزئي، وإنما الكل اسم لأجزائه جميعا المضافة إليه، واستحسن ابن السراج هذا الكلام من المبرد، وكأن مراد ابن الساعاتي إذا أريد بها المجموع، بدليل قوله أولا: قولنا كل شيء ليس معناه كل الشيء فإن الأول كلي عددي، والثاني كلي مجموعي، فالخلل إنما جاء من تمثيله بعد ذلك بكل حبة من البر غير متقومة، وكل الحبات غير متقوم، وهذا جمع معرف بخلاف كل شيء فإنه مفرد معرف، والفرق بينهما ظاهر.
وقال بعض المتأخرين: الظاهر التفصيل بين أن يكون المعرفة مفردا أو جمعا، فإن كان مفردا كانت لاستغراق أجزائه، ويلزم منه المجموع، ولذلك يصدق قولنا: كل
ـــــــ
.1 جزء من حديث طويل: رواه مسلم في صحيحه “4/1994” كتاب البر والصلة والآداب، باب:تحريم الظلم، برقم “2577”
.2 سيأتي تخريجه

اكتب تعليقًا