البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص234

فالجواب إما بتعيين أحدهما أو بنفي كل منهما، فكان قوله:”كل ذلك لم يكن”، لنفي كل واحد منهما، ولكن بالنسبة إلى ظنه صلى الله عليه وسلم، فلو كان يفيد نفي المجموع، لا نفي كل واحد منهما، لكان قوله:”كل ذلك لم يكن” غير مطابق للسؤال، ولم يكن في قول ذي اليدين قد كان بعض ذلك جواب له، فإن السلب الكلي يناقضه الإيجاب الجزئي. وقد ذكروا في سبب ذلك طرقا منه: أن النفي مع تأخر “كل” متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، بخلاف ما إذا تقدمت فإن النفي حينئذ يتوجه إلى أصل الفعل. قال الجرجاني: من حكم النفي إذا دخل على كلام، وكان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه النفي إلى ذلك التقييد دون أصل الفعل، فإذا قيل:لم يأت القوم مجتمعين، كان النفي متوجها إلى الاجتماع الذي هو قيد في الإتيان دون أصل الإتيان، ولو قال قائل: لم يأت القوم مجتمعين، وكان لم يأته أحد منهم، لقيل له: لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين، فهذا مما لا يشك فيه عاقل، والتأكيد ضرب من التقييد.
وهاهنا تنبيهات
الأول: أورد على قولهم: إن تقدم النفي على “كل” لسلب العموم، ولا يفيد الاستغراق قوله تعالى: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [مريم:93] فينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم ينتقض النفي، فإن انتقض فالاستغراق باق كالآية، ويكون لعموم السلب.
ومنه: ما كل رجل إلا قائم، وسببه أن النفي للمجهول، وما بعد “إلا” لا تسلط للنفي عليه، لأنه مثبت، وهو في المفرغ مستند لما قبلها، وهو كل فرد كما كان قبل دخول النفي والاستثناء.
الثاني: أن حكم النهي فيما سبق حكم النفي، فإذا قلت: لا تضرب كل رجل أو كل الرجال، كان النهي عن المجموع لا عن كل واحد. ولو قلت: كل الرجال لا تضرب، كان عموما في السلب بالنسبة إلى كل فرد، ولذلك قال الفقهاء: لو قال: والله لا كلمت كل رجل، إنما يحنث بكلامهم كلهم، فلو كلم واحدا لم يحنث، وهذا وإن لم يكن نهيا فهو في حكمه.
وقد رد بعضهم هذه القاعدة بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم} [الأنعام:151] {ولا تقتلوا النفس} [الأنعام:151] ونظائره، فإنه لم يزل العلماء يستدلون به

اكتب تعليقًا