البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص395

الثالث: التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد بخلاف النسخ، فإنه يكون لكل الأفراد. وعلى هذا فالنسخ أعم، قاله البيضاوي. لكن اختار إمامه خلافه، فإنه قال: النسخ لا معنى به إلا تخصيص الحكم بزمان معين بطريق خاص، فيكون الفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص. وقد سبقه إلى ذلك الأستاذ فيما نقله عن إمام الحرمين في كتاب النسخ فقال: صرح الأستاذ بأن النسخ تخصيص في الزمان، واعترض عليه1.
الرابع: وحكاه القاضي أبو الطيب عن بعض أصحابنا أن التخصيص تقليل، والنسخ تبديل. وقال: هذا لفظ جميل، ولكن ريعه قليل، ومعناه مستحيل، لأن الردة تبديل، وليست بنسخ، قال تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} [البقرة:181]
الخامس: أن النسخ يتطرق إلى كل حكم، سواء كان ثابتا في حق شخص واحد، أو أشخاص كثيرة، والتخصيص لا يتطرق إلى الأول، ومنهم من عبر عنه بأن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد، والنسخ يدخل فيه.
السادس: أن التخصيص يبقي دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا على الخلاف، والنسخ يبطل دلالة حقيقة المنسوخ في مستقبل الزمن بالكلية.
السابع: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، وأما التخصيص فلا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصوص وفاقا.
الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز التخصيص. قال القرافي: وهذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيرا، والمراد أن الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة، أما كلها فلا، لأن قواعد العقائد لم تنسخ، وكذلك حفظ الكليات الخمس، فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام الفرعية، وإن جاز نسخ شريعة بشريعة أخرى عقلا.
التاسع: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بخلاف التخصيص فإنه بيان المراد باللفظ العام، ذكره القفال الشاشي والعبادي في زياداته، وهذا على رأي القاضي، وأما على رأي غيره، فينبغي أن نقول: انتهاء حكم بخلاف التخصيص.
ـــــــ
1 انظر البرهان “2/1314”

اكتب تعليقًا