الخلاف في هذه الحالة، وبالغ في تصحيح العمل به مع الإبهام، واعتل بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه هل هو من المخرج، والأصل عدمه، فيبقى على الأصل، ويعمل به إلى أن يعلم بالقرينة أن الدليل المخصص معارض للفظ العام، وإنما يكون معارضا عند العلم به. انتهى. وهو صريح في الإضراب عن المخصص، والعمل بالعام في جميع أفراده، وهو بعيد. وقد رد الهندي هذا البحث بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج به في الكل المخصوص وغيره، ولا قائل به انتهى.
وليس كما قال، فقد حكى الخلاف فيه صاحب “اللباب” من الحنفية وعبارته: وقيل: إن كان المخصوص مجهولا لم يثبت به الخصوص أصلا، بل يبقى النص عاما كما كان. كذا حكاه أبو زيد في التقويم.
وممن حكى الخلاف أبو الحسين بن القطان. فقال في كتابه: الخطاب إذا علم خصوصه، ولم يعلم مما يخصه كيف يعمل به؟ ذهب بعض أصحابنا إلى إحالة هذا. وقال: إن البيان لا يتأخر، وهذا يؤدي إلى تأخيره إن أجزناه.
وقال بعضهم: يجوز ذلك، ويعتقد فيه العموم إلا موضعا خص منه غير أنه إذا جاء ما يشتمل عليه العموم أمضاه، لأنه لو كان فيه خصوص لخصه الله تعالى وبينه، لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة.
ومنهم من قال: أقف في هذا، لأني قد علمت أنه مخصوص. ولعل الحكم الذي حكم من حيز الخصوص كما لو علم في الآية نسخا، فلا يجوز أن يجريه على الأصل، لجواز النسخ. فكذلك التخصيص. انتهى.
وكذلك حكاه الحنفية في كتبهم، منهم أبو زيد الدبوسي، وشمس الأئمة السرخسي1، وغيرهما، فقالوا: إذا خص وجب الوقف فيه إلى البيان، سواء خص بمجهول أو معلوم، لأنه عند التخصيص يصير مجازا في البعض، وذلك البعض مجهول فلم يبق حجة. ونقل عن بعضهم أنه إن خص بمجهول لم يثبت التخصيص، ثم قال: والذي ثبت عندي من مذهب المتقدمين أنه باق على عمومه بعد التخصيص، سواء خص بمجهول أو معلوم، لكن دلالته على أفراده تبقى ظنية، وعليه جمهور العلماء.
وقال صاحب “اللباب”: ذهب عامة أصحابنا، وأصحاب الشافعي إلى أن يبقى
ـــــــ
1 انظر أصول السرخسي “1/144”