لأن الكلام لم يتناول المستثنى أصلا، فلا أثر للجهالة فيه. وفي “المغني” ابن قدامة: الاستثناء إنما هو مبين أن المستثنى غير مراد بالكلام، وهو أن يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، وقوله تعالى: {إلا خمسين عاما} [العنكبوت:14] عبارة عن تسعمائة وخمسين سنة، فخرج بالخمسين المستثنى، وقوله تعالى: {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} [الزخرف:27] فقد تبرأ من غير الله لا أنه تبرأ منه أولا ثم رجع عنه.
وفصل جماعة من الحنفية بين الاستثناء العددي وغيره، وقالوا في غير العددي: إنه إخراج قبل الحكم، ثم حكمه على الباقي، وقالوا في العددي: لا إخراج، حتى قالوا في إن كان لي إلا مائة وكذا، ولم يملك إلا خمسين لا يحنث
قلت: وما نسبوه لأصحابنا ممنوع، وقد قال النووي في “الروضة”: المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد بأول الكلام، لا أنه إبطال ما ثبت، ولهذا لو قال: له علي عشرة إلا خمسة أو ستة، يلزمه أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار كقوله: علي خمسة أو ستة، فإنه يلزمه خمسة. واحتمل الرافعي أنه يلزمه خمسة، لأنه أثبت العشرة، والشك في المنفي. قلت: ويؤيده قول أصحابنا أنه يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، فكيف يكون مرادا بالكلام الأول وهو يريد أن لا يكون؟
وكذا قال صاحب الميزان من الحنفية: لولم يكن الاستثناء بيانا لأدى إلى النسخ في كلام واحد، فيؤدي إلى التناقض في كلام الله تعالى: قال: ومسائل الشافعي كلها تخرج على البيان، ولا يمكن حمله على التعارض، لأن التعارض إنما يكون بين المثلين، ولا مماثلة بين المستثنى منه والمستثنى، لأن المستثنى منه مستقل، والمستثنى ناقص، ولهذا لا يبتدأ به.
ويدل على بطلان دعوى الإخراج قوله تعالى في حق نوح: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت:14] إذ لا يتصور أن يكون لبث فيهم ألف سنة، ثم يخرج الخمسين من الألف بعد الإخبار بلبثه الألف بكماله، فلم يبق إلا أنه لولا الاستثناء لكان صالحا لدخول الخمسين تحت الألف، وإنما أخرجه من صلاحية الاستثناء، ولا يجوز أن يقال: إنه مريد للألف، ثم أخرجه، لأن الله علم أنه ما لبث الخمسين، فكيف يريدها؟
ومثله قول القاضي عبد الوهاب: وضع الاستثناء أن يخرج ما لولاه لانتظمه، وذكر الإخراج باعتبار الصلاحية في اللفظ، وبهذا كله تبطل دعوى القرافي أن الاستثناء لا إخراج فيه أصلا، لأن الإخراج حقيقة فيمن اتصف بالدخول، ولا يقال: خرج زيد