فيكون أحدهما مثلا يوجب الرفع، والآخر يوجب النصب، فيؤدي إلى أن يكون اللفظ الواحد مرفوعا ومنصوبا، وذلك باطل
الرابع: أن الاستثناء في القرآن الكريم عقيب الجمل مختلف، فمنه ما يعود إلى الكل كقوله تعالى في آل عمران: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران:86] إلى قوله: {إلا الذين تابوا} وفي المائدة {حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة:3] إلى قوله: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3] قيل: الاستثناء متصل، وقيل منقطع، يعود على المنخنقة وما بعدها. أي ما أدركتم ذكاته من المذكورات. وقوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة:33] الآية فإن الإجماع قائم كما حكاه ابن السمعاني على أن قوله: {إلا الذين تابوا} [البقرة:160] عائد إلى الجميع.
ومنه ما يعود على جملة واحدة، كقوله: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود:81] إلى قوله: {إلا امرأتك} [هود:81] قرئ بالنصب على الاستثناء من الجملة الأولى، لأنها موجبة، وبالرفع على الاستثناء من الثانية لأنها منفية. وقد تكون خرجت معهم، ثم رجعت، فهلكت. قاله المفسرون1
ومنه ما يتضمن عوده إلى الأخيرة فقط، كقوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء:92]، فهذا راجع إلى أقرب مذكور، وهو الدية لا الكفارة.
وجعل منه بعضهم آية القذف، فإن الله تعالى ذكر ثلاث جمل، وعقبها بالاستثناء، فلا يمكن عوده إلى الأولى بالاتفاق; أما عند أبي حنيفة فلبعده عن آخر مذكور، وأما عندنا فلخروجه بدليل، وهو أنه حق آدمي، فلا يسقط بالتوبة ولا إلى الثانية لتقيدها بالتأبيد. وبه يقوم مذهب الحنفية على اختصاصه بالأخيرة.
وقال الروياني “في البحر”: بل راجع إلى الشهادة فقط لأن التفسيق خرج مخرج الخبر، والتعليل لرد الشهادة، ورد الشهادة هو الحكم المذكور، فالاستثناء به أولى.
ومنه ما يتعين عوده إلى الأول كقوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين} [آل عمران:28] إلى قوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران:28] فهو عائد إلى النهي الأول دون الخبر الثاني: وقوله: {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني
ـــــــ
1 انظر تفسير القرطبي “9/80”.