البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص463

إلا من اغترف غرفة بيده} [البقرة:249]، فهذا مختص بالأول، ولا يجوز عوده إلى الأخير، وإلا يلزم أن يكون من اغترف غرفة ليس منه، وليس المعنى عليه، فإن المقصود من لم يطعم مطلقا، ومن اغترف منه غرفة على حد سواء.
ونظيره قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} [الأحزاب:52] فإنه عائد إلى الأول، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلا يلزم أن يكون قد استثنى الإماء من أزواج. وكقوله عليه السلام:”ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر1″ فإنه عائد إلى الأول فقط.
وقال المفسرون في قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء:83] أنه استثناء من قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء:83] فهذا موضع الاستثناء بقوله إلا قليلا، وكقوله: {إلا من خطف الخطفة} [الصافات:10] بعد الجمل المذكورة، وهو الأول.
وجعل ابن جني في الخاطريات منه قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا} [الشعراء:227] فيكون استثناء من الضمير المرفوع في يفعلون، ولو كان ما يدعون أنهم يفعلون لا يفعله إلا الذين آمنوا لكان مدحا لهم وثناء عليهم، وهذا ضد المعنى هنا. فإن قيل:هلا كان الكلام محمولا على المعنى؟ أي أنهم يكذبون إلا الذين آمنوا. قيل: فيه شيئان: أحدهما: أنه ترك للظاهر. الثاني: أن المقصود ذم الشعراء على الإطلاق صدقوا أم كذبوا، فالمراد أن الشعراء هذه حالتهم إلا الذين آمنوا. قال: وحينئذ ففيه جواز الاستثناء من الأول الأبعد دون الآخر الأقرب، وهو حجة للشافعي. وهو في الظاهر إلى الآن على أصحابنا انتهى.
ومنه ما يلتبس كقوله تعالى {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان:68] إلى قوله: {إلا من تاب وآمن} [مريم:60] فقد يتخيل أنه من الجمل، وإنما هو من لفظ من وهو مفرد.
ـــــــ
1 رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب: ليس على المسلم في عبده صدقة، برقم “1464”. ورواه مسلم “2/675” كتاب الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، برقم “982”.

اكتب تعليقًا