البحث الثاني: في تخصيص المقطوع بالمظنون
وفيه مسائل:
الأول: يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، فإن الخبر يتسلط على فحواه، وفحواه غير مقطوع به. قال إمام الحرمين: ومن شك أن الصديق لو روى خبرا عن المصطفى في تخصيص عموم الكتاب لابتدره الصحابة قاطبة بالقبول، فليس على دراية في قاعدة الأخبار.
واحتج ابن السمعاني في باب الأخبار على الجواز بإجماع الصحابة، فإنهم خصوا قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء:11] بقوله عليه السلام: “إنا معشر الأنبياء لا نورث1” فإن قالوا: إن فاطمة رضي الله عنها طلبت الميراث؟ قلنا: إنما طلبت النحلى لا الميراث وخص الميراث بالمسلمين عملا بقوله عليه الصلاة والسلام: “لا يرث المسلم الكافر” وخصوا قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275] [بما ورد] عن أبي سعيد في بيع الدرهم بالدرهمين. وخصوا قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة:5] بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس: “سنوا بهم سنة أهل الكتاب2” والمجوس مشركون.
وأما قول عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب الله ولا سنة نبينا لقول امرأة فيحتمل أن يكون معناه لا ندع كتاب نبينا نسخا، فإنه لا يقال لمن خص آية من القرآن. أنه ترك القرآن، وإنما يقال ذلك لمن ادعى النسخ انتهى.
ـــــــ
1رواه البخاري، كتاب فرض الخمس، برقم “3093”. ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم:”لا نورث”، برقم “1758”. وأحمد “2/463” حديث “9973” بلفظ المصنف.
2 رواه مالك في الموطأ كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس، برقم “617”. ورواه ابن أبي شيبة في مصننفه “3/122″، وعبد الرزاق “6/69″، والبيهقي في السنن الكبرى”7/172″، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد “6/13″، وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منقطع وكذلك قال الحافظ ابن حجر، وقال ابن كثير: في تفسيره: لم يثبت بهذا اللفظ. انظر: نصب الراية”4/330، 331” وتفسير ابن كثير “2/21” والتلخيص الحبير “3/353”.