البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج2 ص508

الثالث: أن الخلاف في أصل هذه المسألة اختلفوا فيه، هل هو من جنس الخلاف في القطعيات; أو من المجتهدات؟ قال الغزالي: يدل كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف، لأنه من مسائل الأصول. قال: وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى، فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة، غير بالغة مبلغ القطع انتهى.
وحينئذ فتوقف القاضي إنما هو عن القطع، ولا ينكر أن الأرجح التخصيص، ولكن عنده أن الأرجحية لا تكفي في هذه المسألة، لأن مسائل هذا الفن عنده قطعية لا ظنية، وحينئذ فنحن نوافقه على انتفاء القطع، وإنما ندعي أن الظن كاف في العمل، فلا نتوقف; وهو لا يكتفي بالظن، فيتوقف.
الرابع: أن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى، فإن تلك للشافعي فيها قولان، ولهذا تردد في نقض الوضوء بالمحارم، لأجل عموم: {أو لامستم النساء} [النساء:43]والتخصيص بالمعنى، وهو الشهوة منتفية فيهم، وكذا في القاتل بحق مع حديث: “القاتل لا يرث” . وقوله: “أيما إهاب دبغ فقد طهر” استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير. وقد نقح إمام الحرمين في “النهاية” الفارق بين المسائل، فقال بعد تجويزه التخصيص بالقياس: هذا فيما يتطرق إليه المعنى، وأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمر جائز على السير، فالأصل فيه التعلق بالظاهر، وتنزيله منزلة النص، ولكن قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات، فيتعين النظر إليه وهذا له أمثلة منها أن الله تعالى ذكر الملامسة في قوله: {أو لامستم النساء} [النساء:43] فجعلها الشافعي على الجس باليد، ثم تردد نصه في لمس المحارم من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة وما لا يجري القياس في إثباته، فلا يكاد يجري في نفيه. فمال الشافعي في ذلك إلى اتباع اسم النساء، وأصح قوليه: أن الطهارة لا تنقض بمسهن، لأن ذكر الملامسة المضافة إلى أن يقع شيء من الأحداث يشعر بلمس اللاتي يقصدن باللمس
قال فإن لم يتجه معنى صحيح دلت القرينة على التخصيص، كقوله عليه السلام: “ليس للقاتل من الميراث شيء1” ، فالحرمان لا ينسد فيه تعليل، فإذا انسد مسلك التعليل اقتضى الحال التعلق بلفظ الشارع: تردد الشافعي في أن القتل قصاصا أو حدا إذا صدر من الوارث فهل يقتضي حرمانه؟ فوجه تعلق الحرمان بكل قتل، التعلق بالظاهر
ـــــــ
1 رواه أبو داود “4/189″، كتاب الديات، باب: ديات الأعضاع، برقم”4564″، وهو حديث حسن.

اكتب تعليقًا