مسألة
يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، سواء مفهوم الموافقة والمخالفة. ونقله أبو الحسين بن القطان في كتابه عن نص الشافعي بالنسبة إلى مفهوم المخالفة، فقال: نص الشافعي – رحمه الله تعالى – على القول بمفهوم الصفة، وعلى أنه يخص به العموم. فإن قيل: لم قلت: إنه يخص به العموم، وقد يرد من التخصيص عليه ما يرد على العموم؟ قيل: لأن دليل الخلاف يجري مجرى القياس في باب القوة، فلهذا جاز التخصيص به. قال: وسواء كان الدليل مستخرجا من ذلك الخطاب أو من غيره. فإنه يخصه انتهى.
وقال بعض شراح “اللمع” يجوز تخصيص العموم بمفهوم الموافقة سواء قلنا: إنه من باب القياس أو من اللفظ، لأن كلا منهما يخص به العموم. فيخص عموم القرآن والسنة بفحوى أدلة الكتاب تواترا، كانت السنة أو آحادا، ويخص عموم القرآن وآحاد السنة بفحوى أدلة المتواتر من السنة، وأما تخصيص عموم القرآن ومتواتر السنة بفحوى آحاد السنة، فالقياس يقتضيه، وفيه احتمال. انتهى.
وقال الآمدي1: لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم بين القائلين بالعموم والمفهوم، وحينئذ فلا يحسن الاعتراض عليه كما حكاه الشيخ أبو إسحاق عن ابن سريج والحنفية من منعهم ذلك، لأنهم بنوه على مذهبهم في إنكار المفهوم، لكن أطلق الإمام في “المنتخب” أنه لا يجوز. وقال: دلالته، إن قلنا بكونه أضعف من النطق، فلا تخصيص به، وتوقف في “المحصول” فلم يختر شيئا.
وقال الشيخ تقي الدين في “شرح الإلمام” قد رأيت في بعض مصنفات المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم، وفي كلام صفي الدين الهندي أن الخلاف في مفهوم المخالفة، أما مفهوم الموافقة فاتفقوا على التخصيص به.
قلت: وبه صرح الماوردي في كتاب “القضاء من الحاوي”، فقال: ما عرف معناه من ظاهر النص كقوله: {فلا تقل لهما أف} [الاسراء:23] يدل على تحريم الضرب قياسا على الأصح، وهذا يجوز تخصيص العموم به بلا خلاف، وفي جواز النسخ وجهان. ا هـ.
وهذا فيه نظر، أعني قطعه بجواز التخصيص به مع ترجيحه كونه قياسا. وكان
ـــــــ
1 انظر الإحكام “2/153”.