وقال أبو بكر الرازي: إذا تأخر العام كان نسخا لما تضمنه الخاص، ما لم تقم دلالة من غيره على أن العموم مرتب على الخصوص. قال: وكان يحكي شيخنا أن مذهب أصحابنا ومسائلهم تدل عليه، وقد جعل أبو حنيفة قوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد:4] منسوخا بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة:5] لأنه نزل بعد.
ثم قال: وقد ناقض الشافعي أصله في هذه المسألة في مسائل:
منها: أنه جعل قوله عليه الصلاة والسلام لأنيس: “واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها1” قاضيا على قضية ماعز في اعتبار تكرار الإقرار أربع مرات، مع أن قضية ماعز خاصة مفسرة، وقضية أنيس عامة.
ومنها: أنه قال: “الوضوء مما مست النار منسوخ بأكل النبي صلى الله عليه وسلم لحما وخبزا، ولم يتوضأ2” ، فنسخ العام بالخاص، لأن الوضوء مما مست النار عام في الخبز واللحم وغيرهما، وتركه الوضوء منها خاص بهما، ثم ينسخ العام بالخاص مع امتناع وقوع النسخ في مثله بغير اللفظ، كيف منع من إيجاب نسخ الخاص بالعام المشتمل عليه وعلى غيره؟ قال:وإنما تركنا الوضوء مما مست النار للقاعدة الأخرى، وهي أن خبر الواحد لا يقبل فيما تعم به البلوى، وحملنا الحديث على غسل اليد.
ومنها: “أنه زعم أن قتل شارب الخمر في الرابعة منسوخ بقوله عليه السلام: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث3” فجعل العام ناسخا للخاص. وزاد بعض المتأخرين من الحنفية أنه في حديث عائشة “في غسل الجنابة: توضأ وضوءه للصلاة4”
ـــــــ
1 جزء من حديث: رواه البخاري، كتاب الوكالة، باب: الوكالة في الحدود، برقم “2315”. ورواه مسلم “3/1324” كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، برقم “1697”.
2 الحديث رواه الإمام الأحمد في مسنده”4/30″ حديث “16412” عن أنس بن مالك قال: كنت أنا وأبي وأبو طلحة جلوسا، فأكلنا لحما وخبزا، ثم دعوت بوضوء فقالا: لما تتوضأ؟ فقلت؟ لهذا الطعام الذي أكلنا فقالا: أتتوضأ من الطيبات، لم يتوضأ منه من هو خير منك؟
3 جزء من حديث: رواه البخاري، كتاب الديات، باب: قول الله تعالى:{أن النفس بالنفس والعين بالعين} [المائدة:45]، برقم”6878″. ورواه مسلم”3/1302″ كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب:ما يباح به دم المسلم، برقم “176”.
4 جزء من حديث: رواه البخاري، كتاب الغسل، باب: مسح اليد بالتراب لتكون أنقى، برقم”260″. ورواه مسلم كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم “317”.