البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص6

ثبت حكم التقييد، وإن كان عاما يسقط حكمه، فالأول كقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} [النساء: 43] إلى قوله: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43] فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرط في إباحته. والثاني: كقوله: {وإذا ضربتم في الأرض} [النساء: 101] إلى قوله: {إن خفتم} [النساء: 101] فليس الخوف شرطا في القصر.
وأما الثاني: فهو المقصود بعد ثبوت كون التقييد شرطا في المقيد،
فينقسم المطلق والمقيد إلى أقسام:
أحدها : أن يختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل أحدهما على الآخر بالاتفاق، كتقييد الشهادة بالعدالة، وإطلاق الرقبة في الكفارة. وشرط الآمدي أن يكونا ثبوتيين، فإن لم يكن، كما إذا قال في كفارة الظهار: أعتق رقبة، وقال: لا تملك رقبة كافرة، فلا خلاف أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالمسلمة في هذه الصورة.
واعلم أن الاتفاق في هذا القسم نقله القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وإلكيا، وابن برهان، والآمدي وغيرهم، وذكر الباجي عن القاضي محمد من المالكية أن مذهب مالك في هذا حمل المطلق على المقيد، وأخذ ذلك من رواية رويت عنه أنه قال: عجبت من رجل عظيم من أهل العلم يقول: إن التيمم إلى الكوعين، فقيل له: إنه حمل ذلك على آية القطع، فقال: وأين هو من آية الوضوء؟ قال الباجي: وهذا التأويل غير مسلم، لأنه يحتمل حمله عليه بقياس أو علة، وإنما الخلاف في الحمل بمقتضى اللفظ. وسيأتي حكاية قول الشافعي في كفارة القتل أنه يجزئ فيها الإطعام كما في الظهار. قلت: ومن هذا كله يخرج خلاف في حمل المطلق على المقيد في هذا القسم، وينبغي التفاته إلى أنه من باب القياس، أو اللفظ. فإن قلنا من باب القياس امتنع، لأن من شرط القياس اتحاد الحكم، والحكم هنا مختلف، حيث أطلق الإطعام وقيد الصيام.
القسم الثاني : أن يتفقا في السبب والحكم، فيحمل أحدهما على الآخر كما لو قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة. وقال في موضع آخر: إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، وأبو حنيفة يوافق في هذا القسم، كما قاله أبو زيد في “الأسرار” ، وأبو منصور الماتريدي في تفسيره، وغيرهما. ولهذا حمل قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] على قراءة ابن مسعود: متتابعات. وكذا لو قيل له: تغد عندي اليوم، فقال: والله لا

اكتب تعليقًا