البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص23

خاتمتان
الأولى: المعروف أن المقيد لا يحمل على المطلق.
ووقع في “الوسيط”1 في باب قطاع الطريق حيث احتج للقول الصائر إلى أنه لو تاب بعد القدرة عليه يسقط عنه الحد. قال: لأنه تعالى خصص هذا بقوله: {من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34]، وأطلق في آية السرقة، قوله: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} [المائدة: 39]. انتهى. وفي هذا حمل المقيد على المطلق، فإنه حمل آية المحاربة، وقد ورد فيها التقييد، على ما ورد فيه الأمر مطلقا، وهو السرقة وهو غريب. ثم رأيت الأصحاب قد حملوا ذلك أيضا في مسح الخف، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: “يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن” من باب حمل المقيد على المطلق على مقتضى كلامهم، لأن لياليهن مقيد بالإضافة، فيقتضي أنه لو أحدث المسافر عند طلوع الفجر لا يمسح الليلة الرابعة. وقد قالوا: إنه يمسح ليلته حملا على المطلق، كما لو تأخرت ليلة اليوم عنه.
الثانية: كثر في كلام كثير من المتأخرين أن يقولوا: هذا مطلق، والمطلق يكفي في العمل بمقتضاه إعماله في صورة، وقد اتفقنا على العمل به في كذا، فلا يبقى حجة في غيره.
وقد استعظم جمع هذا السؤال: وقد أجاب عنه ابن دقيق العيد فيما كتبه على “فروع ابن الحاجب” بأنه إنما يكتفى بالعمل به في صورة حيث لا يلزم ترك ما دل اللفظ على العموم فيه، بل يجب العمل به في كل صورة يلزم من ترك العموم فيها في الحالة المطلقة ترك العموم فيما دخلت عليه صيغة العموم، مثاله قول الحنفي في جواب الشافعي في أن الوضوء تجب فيه النية لقوله صلى الله عليه وسلم: “ما منكم من أحد يقرب وضوءه” 2 فيقول الحنفي: هو عام في التوضؤ، مطلق في الوضوء، وقد اتفقنا على العمل به في الوضوء المنوي، فلا يبقى حجة في غيره. وجوابه أن العموم في التوضؤ يلزم منه العموم في الوضوء، لأنه ما من نوع من أنواع الوضوء إلا وفاعله متوضئ، فيندرج تحت العموم،
ـــــــ
1 انظر الوسيط في المذهب للغزالي بتحقيقي 6/498، 499.
2 جزء من حديث: رواه مسلم 1/569، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عنبسة، برقم 832 وفيه فقلت: يا بني الله، فالوضوء حدثني عنه؟ قال: “ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنثق فينتنثر إلا خرت خطايا وجهه” وفيه “وخياشيمه…”

اكتب تعليقًا