البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص30

الخلف لما كان فيها دفع إيهام من يتوهم حملا لا يليق كانت أعلم من تلك. ورجح بعض مشايخنا طريقة الخلف من جهة أن السلف خاضوا أيضا في بعض، وقالوا: إنا قاطعون بأن الظاهر الذي لا يليق غير مراد، فترك الحمل على ما يجوز أن يكون مرادا مسكوت عن التأويل مع الخوض في بعضه. ونبذ إيهام من لا يرتقي إلى درجة الفهم عنهم إلى أنهم إنما تركوا ذلك لاعتقادهم أنها لأمر زائد على ما قامت الدلالة القاطعة على إثباته له تعالى من الصفات اللائقة وفي ذلك محذور، فطريقة الخلف أعلم وأسلم.
قال الغزالي في كتاب “التفرقة بين الإسلام والزندقة”1: سمعت الثقات من أئمة الحنابلة يقولون: أحمد بن حنبل صرح بتأويل ثلاثة أحاديث:
أحدها : قوله: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض” 2.
والثاني : قوله عليه السلام: “قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن” 3.
والثالث : قوله: “إني لأجد ريح نفس الرحمن من قبل اليمن”4. ونقل الرازي عن الغزالي في كتاب: “تأسيس التقديس” بدل الحديث الثاني: “أنا جليس من ذكرني” 5، والذي رأيته في كتاب الغزالي ما ذكرناه.
قال الغزالي: فانظر كيف أول أحمد لقيام البرهان عنده على استحالة ظاهره، مع أنه أبعد الناس عن التأويل. فيقول: اليمين تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها، والحجر الأسود يقبل تقربا إلى الله تعالى، فهو مثل اليمين لا في ذاته، ولا في صفة من صفاته، ولكن في عارض من عوارضه، فسمي يمينا ; وكذلك لما استحال وجود الأصبعين فيه حسا إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين، فأوله على ما به تيسر
ـــــــ
1 انظر فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص: 10.
2 انظر كشف الخفاء للعجلوني 1/1108.
3 جزء من حديث رواه الترمذي 4/448، كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، برقم 2140 عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: “نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء”. ورواه ابن ماجة 2/1260، كتاب الدعاء برقم 3834. وهو حديث صحيح.
4 رواه أحمد في مسنده 2/541، حديث 10991 بلفظ “وأجد نفس ربكم من قبل اليمن” وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/56، وقال: رجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة، ورواه الطبراني في مسند الشاميين 2/149 حديث 1038، وفي المعجم الكبير 7/52، وبرقم 6358.
5 رواه البخاري، حديث 7405 بلفظ “وأنا معه إذا ذكرني…” الحديث.

اكتب تعليقًا