البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص47

[آل عمران: 7].
وترددها بين العطف والحال في قوله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} [لأنفال: 66] لأنها إن كانت عاطفة أوهم أن علم الله بضعفهم حدث الآن، وبه احتج بعض المعتزلة على حدوث العلم تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد إعلام عباده ; وإن جعلت غير عاطفة كان تقديره: الآن خفف الله عنكم، عالما أن فيكم ضعفا، فلا يلزم منه محذور، ويجب إضمار “قد” حينئذ. ونحو تردد “من” بين ابتداء الغاية والتبغيض، كقوله: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] فقال أبو حنيفة: هي للابتداء، أي: اجعلوا ابتداء المسح من الصعيد. وقال الشافعي وأحمد: هي للتبعيض، أي: امسحوا وجوهكم ببعض الصعيد، فلهذا اشترطنا أن يكون لما يتيمم به غبار، يعلق باليد، لتحقق المسح ببعضه.
والثاني : أن يكون اللفظ مجملا في تركيبه، وهو أنواع:
منها : في المركب بجملته في نحو قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] لتردده بين الزوج والولي، ولذلك اختلف فيه، فقال الشافعي بالأول، ومالك بالثاني.
ومنها : في الاستثناء كقوله عليه السلام: “صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام” 1 ولكن لا كباقي المساجد ; بل إنما أزيد أو أنقص منها. والثاني أنه ليس بأفضل منه ; بل إما مساو أو المسجد الحرام أفضل.
ومنها : في مرجع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما، كقوله عليه السلام: “لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره” 2 فضمير الجدار يحتمل العود على نفسه أي في جدار نفسه، أو على جاره، أي في جدار جاره، وقد ذكر أصحابنا هذا في كتاب الصلح. والأصح امتناع الوضع إلا بإذن. وكقوله تعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات:112] فإن هذا يحتمل أن تكون البشارة بميلاده، فيكون المأمور بذبحه إسماعيل، لأن هذا الكلام في قصة الذبيح
ـــــــ
1 رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم 1190، ورواه مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة، برقم 1394.
2 رواه البخاري، كتاب المظالم والمغاصب، باب: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، برقم 2463.

اكتب تعليقًا