لا يصدر إلا عن دليل، فإن كان نصا فهو من القسم الأول، وإن كان استنباطا فهو من الخامس. فإن قيل: فينبغي أن لا يذكر أيضا القياس، لأنه مستند إلى النص. قلنا: لأجل هذا قال إمام الحرمين، وابن القشيري: لا مدفع للسؤال، لكنه مدفوع بوجهين:
أحدهما : أن الإجماع على غير ما دل عليه النص، فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر بخلاف الآخر، فإنه إنما دل على وجوب العمل به، وليس دالا على مدلوله فلذلك أفرده بالذكر.
والثاني : يحتمل أن يكون الشافعي تعرض لمراتب البيان الموجودة في كل عصر، والإجماع لم يوجد في عصره عليه السلام، فلهذا أغفله.
واعترض آخرون فقالوا: لم يذكر دليل الخطاب، وهو حجة عنده، وأجيب بأنه إن كان مفهوم الموافقة فهو يدخل في قسم البيان من الكتاب والسنة، وإن كان مخالفة فهو من جملة ما استنبط بالاجتهاد، فدخل في القسم الخامس. وتعجب المازري من الغزالي كيف حكى الاتفاق على أن مراتب البيان خمسة، وإنما اختلفوا في أوضاعها. ثم قال أئمتنا، منهم ابن السمعاني: يقع بيان المجمل لستة أوجه:
أحدها : بالقول وهو الأكثر، كبيان نصب الزكوات، كقوله: “لا قطع في تمرة ولا كسرة، والقطع في ربع دينار” 1.
والثاني : بالفعل كقوله: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، “خذوا عني مناسككم” .
الثالث : بالكتاب كبيانه أسنان الديات، وديات أعضاء البدن، وكذا الزكوات.
الرابع : بالإشارة كقوله: “الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا” 2 يعني ثلاثين
ـــــــ
1 لم أجده بهذا السياق، وصدره أخرجه أبو داود 4/136، كتاب الحدود، بغاب: ما لا يقع فيه، برقم 4388بلفظ “لا قطع في ثمر ولا كثر” وهو كذلك عند الترمذي برقم 1449 والنسائي برقم 4960، 4961، 4962، وعند ابن ماجة برقم 2593، 2594، وكذلك عند الإمام أحمد، برقم 15842، 17299، 17320 كلهم بلفظ أبي داود، وعجزه أخرجه مالك في الموطأ، 2/382، كتاب الحدود، باب: ما لا قطع فيه برقم 1520 وهو حديث صحيح.
2 جزء من حديث، رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب: اللعان، برقم 5302. ورواه مسلم، كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، برقم 1080.