السادس : أن يذكر مستقلا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187]. فإن قوله: “في المساجد” لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة، فإن المعتكف يحرم عليه المباشرة مطلقا.
السابع : أن لا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم له كقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] لأنا نعلم أن الله قادر على المعدوم الممكن، وليس بشيء، فإن المقصود بقوله: “كل شيء” التعميم في الأشياء الممكنة لا قصر الحكم.
الثامن : أن لا يعود على أصله الذي هو المنطوق بالإبطال، فلا يحتج على صحة بيع الغائب الذي عند البائع بمفهوم قوله: “لا تبع ما ليس عندك” 1 إذ لو صح، لصح بيع ما ليس عنده الذي نطق الحديث بمنعه، لأن أحدا لم يفرق بينهما.
وشرط الماوردي، والروياني أن يكون المنطوق معناه خاصا كقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} [النساء: 43] إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرط في إباحته، فإن كان معناه عاما لم يكن له مفهوم، وسقط حكم التقييد، كتقييد الفطر بالخوف، والكفارة بقتل العمد. وقالا: عمم داود وأهل الظاهر الحكم في المقيد اعتبارا باللفظ، لأن الاعتماد على النصوص دون المعاني عندهم، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الاسراء: 31] ولا يستباح قتلهم مع أمن إملاق.
وقال: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] ولا يجوز الإكراه وإن لم يردن التحصن، فلما سقط حكم التقييد في هذا، ولم يصر نسخا، جاز أن يسقط غيره.
فإن قيل : إذا سقط التقييد كان مقيدا؟ قلنا: يحتمل ذكر التقييد مع سقوط حكمه أمورا:
منها : أن يكون حكم المسكوت عنه مأخوذا من حكم المنطوق به، ليستعمله
ـــــــ
1 الحديث رواه أبو داود 3/283 كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، حديث 3503 عن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ فقال: “لا ظتبع ما ليس عندك” ورواه الترمذي 1232، والنسائي 4613، وابن ماجة 2187، وهو حديث صحيح.