البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص126

ودمان”، فلا يكون تحريم ميتة ثالثة مأخوذا من مفهوم العدد. لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله: “إذا بلغ الماء قلتين” وليس كذلك، لأنه ليس فيه اسم عدد، والفرق أن العدد يشبه الصفة، والمعدود يشبه اللقب، ولا فرق فيه بين أن يكون واحدا أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلت: رجال، لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد، ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى، لأنه اسم موضوع لاثنين، كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد، فمن ثم لم يكن قوله: “ميتتان ودمان” يدل على نفي حل ميتة ثالثة، كما أنه لو قال: أحلت لنا ميتة، لم يدل على عدم حل أخرى.
الثالث : أنه من أشهر حجج المثبتين أنه لما نزل قوله تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] قال النبي عليه السلام: “لأزيدن على السبعين” 1 فعلم أن حكم ما زاد على السبعين بخلافه. وأجيب بأنه لعله
ـــــــ
1 الحديث رواه البخاري كتاب تفسير، باب قوله تعالى {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم…} الآية، حديث 4670 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على السبعين” . قال: إنه منافق!! قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} .
قال الحافظ في الفتح: قوله: فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه. كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جدا حتى أقدم بعضهم فقال: هذا وهم من بعض رواته، وعاكسه غيره فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك، وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} . فلت: الثاني يعني ما قاله القرطبي أقرب من الأول، لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث قال: فأنزل الله {ولا تصل على أحد منهم} والذي يظهر أن وفي رواية الباب تجوزا بينته الرواية التي في الباب بعده من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ: فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم. وروى عبد بن حميد والطبري من طريق الاشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد وقال: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال قال: {استغفر لهم} الآية، وهذا مثل رواية الباب، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أن “أو” ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور أي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة كما سأذكره، وفهم عمر أيضا من قوله: “سبعين مرة” أنها للمبالغة وأن العدد المعين لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار فأطلقه، وفهم أيضا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة، فلذلك جاء عنه وفي هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبي. وهذا تقرير ما صدر عن عمر مع ما عرف من شدة صلابته في الدين وكثرة بغضه للكفار والمنافقين، وهو القائل في حق حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدرا وغير ذلك لكونه كطاتب قريشا قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق. فلذلك أقدم على كلامه للنبي صلى الله عليه وسلم بما قال، ولم يلتنفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره لما غلب عليه من الصلابة المذكورة. انظر فتح الباري 8/335.
واللفظ الذي أورده المصنف رواه عبد بن حميد من طريق قتادة قال: لما نزلت {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم…} قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قد خيرني ربي فوالله لأزيدن على السبعين” . وأخرجه الطبري من طريق مجاهد، وابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه مثله، قال الحافظ ابن حجر في الفتح 8/335 في شرح الحديث السابق: وهذه طرق وإن كانت مراسيل فإن بعضها يعضد بعضا.

اكتب تعليقًا