إلا بشر، لا يلزم أن لا يكون بشرا غيره، لأنك إنما أثبتها له دون غيرها من الصفات.
ولم تتعرض لنفيها عمن عداه. وهكذا في كل مستثنى هو في الحقيقة كالصفة والحال.
نحو: ما جاء زيد إلا راكبا، وما زيد إلا عالم، لم ترد نفي الركوب والعلم عمن عداه، وإنما أردت ثبوت هذه الصفات له، وذلك ثابت.
فإن قلت: فلزم أن يكون ثم منفي عام، وهذا مثبت منه دونه فيكون المعنى إثبات هذه الصفة له دون غيرها من الصفات. وهو غير مستقيم، فإنك إذا قلت: ما زيد إلا قائم، لم يستقم نفي جميع الصفات عن زيد.
فالجواب أن هذا كان القياس، ولكنه أتى على غيره لأمرين: أحدهما: أنه لو اعتبر ذلك لامتنع استعمال هذا الباب فيه، فيفوت كل معناه منه. والثاني: أنهم قصدوا إثبات ذلك ونفي ما يتوهم المتوهم مما يضاد ذلك، وكذلك قوله: “لا صلاة إلا بطهور” فإن المعنى إثبات الطهارة للصلاة المشروعة، لا إثبات الطهارة لها خاصة، يلزم أنها إذا وجدت وجدت، إذ قد توجد الطهارة ولا تشرع الصلاة لفوات شرط آخر.
الثانية: وهو قريب مما قبله في القوة: الحصر بإنما، نحو: إنما زيد في الدار، مفهومه أنه ليس في غيرها. قال إلكيا: وهو أقوى من الغاية. وقد نص عليه الشافعي في “الأم” فقال: وإذا أسلم الرجل على يد الرجل، ووالاه، ثم مات، لم يكن له ميراثه من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الولاء لمن أعتق” 1. وهذا يدل على معنيين:
أحدهما : أن الولاء لا يكون إلا لمن أعتق.
والثاني : لا يتحول الولاء عمن أعتق. ولهذا قال الماوردي في “الحاوي”: مذهب الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي.
وذهب ابن سريج، وأبو حامد، والمروروذي إلى أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل لما تضمنته من الاحتمال، والمذهب الأول: أنها في قوة “ما، وإلا”، لكن اختلفوا في أن المنفي فيها بالمنطوق أو المفهوم على وجهين.
قال: وعلى هذا فإذا انتفى حكم الإثبات عما عداه، فقد اختلف أصحابنا في موجب نفيه عنه.
ـــــــ
1 رواه البخاري في مواضع كثيرة من صحيحه، ومنها ما رواه في كمتاب العتق، باب ما يجوز من شروط المكاتب، حديث 2561. ورواه مسلم حديث 1504.