البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص137

مذكور في موضعه، وحينئذ: فقولك: صديقي زيد أو زيد صديقي، إما أن تريد بالصديق معهودا أو عموم الأصدقاء، فإن قصد واحدا، وقدم زيدا أو أخره فالمعنى واحد، وإن قصد عموم الأصدقاء وقدم زيدا أو أخره، وجب العموم. فإذا قلت: صديقي زيد، أي إن كل صداقة لي محصورة في زيد، أو زيد صديقي، فزيد هو المخبر عنه، لا صديق سواه، وجب الحصر فيهما جميعا، ولو سلم تعيين “صديقي” للخبرية كما قاله الإمام فالمعنى فيهما واحد، فإنه إن أريد الخاص فلا عموم في التقديم أو التأخير أو أريد المعنى فالمعنى واحد، قدم أو أخر. وإنما فهم التغاير لتنزيله منزلة: العالم زيد، وليس هو نظيره.
واعلم أنهم اختلفوا في المبتدأ إذا كان معرفة، والخبر نكرة، هل يفيد الحصر؟ فقيل: لا يفيد أصلا. واحتج له بقوله: “الصيام جنة” 1، فإنه لا يمتنع أن يكون غيره كذلك. وقد ثبت قوله “فليتق النار ولو بشق تمرة” 2. وقيل: يفيده ثم اختلفوا هل يفيده من جهة المنطوق أو المفهوم؟ على قولين:
فقيل: إنه بالمفهوم، ونقله ابن القشيري عن الحنفية. قال: ولهذا لم يقبلوه. قال: وعندنا أنه ليس من قبيل المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر.
ومن قال: زيد صديقي لم يتضمن نفي الصداقة عن غيره، فلو قال: صديقي زيد اقتضاه. قال: ولا يبعد ادعاء إجماع أهل اللسان عليه، لأنه غير نظم الكلام، فدل على قصد الاهتمام وحصر الصداقة فيه، وهو تابع لإمام الحرمين.
وكذلك اختار الغزالي أنه منطوق، وجعله دون “إنما” في القوة، وكذلك إلكيا، وقال: إن تلقي الحصر فيه مأخوذ من حيث اللفظ، فجعل جنس التحريم محصورا في المسكر. والصداقة مبتدأ، والمبتدأ لا بد أن يكون معلوما للمخاطب وضعا، والصداقة لا تعرف إلا بصرفها إلى الجنس، فكأنه قال: جنس الصداقة محصور في زيد. ولو قال: زيد صديقي، لا يفهم منه أنه لا صديق سواه، لأنه جعل الصداقة خبرا، ولم يجعلها مبتدأ، فلم يعرفه المخاطب. قال: ويتلقى الحصر من فحوى اللفظ، ونظم الكلام. قال: ولهذا قال: إن تلقي المفهوم من الفحوى لا يسقط،
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب الصوم، باب فضل الصوم، برقم
2 رواه البخاري كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة القليل من الصدقة، برقم 1417 ومسلم، برقم 1016.

اكتب تعليقًا