البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص140

وقد رد صاحب “الفلك الدائر” القاعدة بالآية الأولى. قيل: ورد ابن الحاجب في “شرح المفصل” القاعدة بقوله تعالى: {بل الله فاعبد} [الزمر: 66] مع قوله: {فاعبد الله مخلصا} [الزمر: 2] فدل على أن التقديم والتأخير سواء. وهذا فيه نظر، بل ذلك يدل على عدم المساواة، فإنه حيث أخر المعمول أتى بما ينوب عن التقديم، وهو قوله: {مخلصا} [الزمر: 2] ولو لم يذكره مع التقديم دل على إفادته الاختصاص والحصر، ولعل ابن الحاجب أراد الآية الأخرى، وهي: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} [الزمر:14] فقد ذكر “مخلصا” فيهما مع اختلافهما بالتقديم والتأخير.
وقال ابن أبي الحديد في “الفلك الدائر”: الحق أنه لا يدل على الاختصاص إلا بالقرائن، وإلا فقد كثر في القرآن التصريح به مع عدمه كقوله تعالى: {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم} [الانبياء: 31] ولا يدل على أن غير الرواسي لم يجعله في الأرض. وقوله: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} [طه:118] ولم يكن ذلك مختصا به، فقد كانت حواء كذلك. وقوله: {إذ نفشت فيه غنم القوم} [الانبياء: 78] ولا يدل على أنها ما نفشت إلا فيه، لأن النفش: انتشار الغنم من غير راع، سواء كان في حرث أو غيره. وقال تعالى: {وكنا لحكمهم شاهدين} [الانبياء: 78] فقد الظرف، ولا يدل على أنه لم يشهد إلا حكمهم. وقال: {ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} [الانبياء: 90] ولا يدل على أنه لم يصلح زوجة أحد غيره. قال: وفي الكتاب ألف آية مثل هذه تبطل الاختصاص والحصر. قال: والصحيح أن القرينة تدل على الاختصاص لا بمجرد الصيغة. ا هـ.
وأنت إذا عرفت قيد العلة سهل الأمر. نعم، له شرطان: أحدهما: أن لا يكون المعمول مقدما على الوضع، فإنه لا يسمى مقدما حقيقة، كأسماء الاستفهام، والمبتدأ عند من يجعله معمولا لخبره. والثاني: أن لا يكون التقديم لمصلحة التركيب، مثل: {وأما ثمود فهديناهم} [فصلت: 17] على قراءة النصب.
واعلم أن ظاهر كلام البيانيين أن الاختصاص، والحصر، والقصر بمعنى واحد، ولهذا يجعلون من الحصر تقديم الخبر، فهو عندهم مقيد للاختصاص والحصر. وحكى ابن الحاجب عن إمام الحرمين أنه استدل على أن مفهوم الصفة حجة بأنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره، لأنه بمعناه1.
ـــــــ
1 انظر مختصر ابن الحاجب 2/173.

اكتب تعليقًا