أن الأمر يفارق الإرادة.
وثانيهما : أن الكلام القديم يتعلق بمتعلقات مختلفة على الاتحاد في نفسه، والاختلاف راجع إلى التعلق، فالأمر عبارة عن الطلب القائم بذات الباري سبحانه، فقد يتعلق بالمطلوب على الدوام قطعا، وتكون الإرادة غير ذلك، وقد يتعلق بالمطلوب نفسه في بعض الأزمان، ويكون هذا التعلق بيانا للإرادة والعلم، أنه لم يرد الدوام وإنما أريد بعض الأزمنة، ولم يتعلق العلم بالدوام، ولا تناقض في تعلق الطلب بمتعلق واحد على صفتين في وقتين، مطلوبا على التأبيد في الوقت، وفي بعض الأزمان في وقت آخر لم يختلف. وإنما اختلف التعلق والزمان. وإنما يستحيل هذا أن لو كان المخاطب يفهم في وقت واحد، ولا استحالة في وقتين، فيرجع حاصل النسخ إلى بيان الإرادة والعلم.
وحده الفقهاء بأنه الخطاب الدال على انتهاء الحكم الشرعي مع التأخير عن مورده، وألزموا عليه كون النسخ من باب التخصيص، فيصح أن ينسخ بما به يخصص، فينسخ بدليل العقل، وبالإجماع، وهو لا يجوز.
وإلى كونه بيانا ذهب الأستاذ أبو إسحاق، والقاضي أبو الطيب، وسليم، وإمام الحرمين، والإمام فخر الدين، وغيرهم. وحكاه في “المعالم” عن أكثر العلماء. واختاره القرافي1. وهؤلاء يجعلون النسخ تخصيصا وبيانا، أي أن الخطاب الثاني بين أن الأزمنة بعده لم يكن ثبوت الحكم فيها مرادا من الخطاب الأول كما أن التخصيص. في الأعيان كذلك.
وأوردوا على من حده بالرفع بأن الرافع الحادث إن وجد حال وجود الأول لم ينافه، وإن وجد حال عدمه لم يعدمه، لامتناع إعدام المعدوم. وأجيب بأن الرفع كالكسر والارتفاع كالانكسار، ولذلك يجعلون الرفع كفسخ العقود.
وقالوا أيضا: إنما عدلنا إلى البيان احترازا عن تعارض الرافع والدافع، والرفع ليس أولى من الدفع، وهذا منهم بناء على أن الرفع والدفع من مقتضى اللفظ وليس كذلك، بل الألفاظ دلائل على إرادة الشارع، والشارع له المحو والإثبات.
واحتج القائلون بالثاني أيضا بأن علم الله إما أن يتعلق بدوام الحكم أبدا أو إلى وقت معين. وعلى كلا التقديرين فلا يمكن الرفع. أما إذا تعلق بالدوام فلأنه يستحيل رفعه، لاستحالة وقوع خلاف معلومه. وأما على التقدير الثاني وهو أن يعلم انتهاؤه إلى
ـــــــ
1 انظر شرح تنقيح الفصول ص: 302.