البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص153

مسألة
يجوز نسخ الحكم عندنا وإن لم يقترن به إعلام بأنه سينسخ. قال ابن برهان: وعن أبي الحسين البصري وغيره من المعتزلة أنه لا يجوز إلا إذا اقترن به ما يدل على النسخ في الجملة، كقوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] الآية. قالوا: فهذه قرينة أن الله تعالى سينسخ القبلة من بيت المقدس.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: رأيت بعض من كان يظهر التوحيد، ويتهم بالإلحاد يزعم أن النسخ لا يجوز إلا بدليل مقرون باللفظ يعلم أنه كائن بعد، وإن لم يبين وقته. قال الأستاذ: فهذا قول اليهود، وقد أجمعت الأمة على خلافه. ا هـ.
ونقل عن أبي الحسين البصري أنه يجب أن يذكر مع المنسوخ ما يدل على أنه منسوخ من حيث الجملة، وإلا لكان تلبيسا. وخالفه جمهور المعتزلة. وأصحابنا قالوا: لا يجب ذلك، بل يجوز تأخير بيان النسخ من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
وقال الماوردي: سمعت بعض أهل العلم يقول: إن كل آية منسوخة ففي ضمن تلاوتها ما يدل على أن حكمها ليس بثابت على الإطلاق، مثل قوله في سورة النساء: {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] نبه على أن حكمها لا يدوم، فنسختها آية النور بقوله: {الزانية والزاني} [النور: 2] الآية. ولذا قال صلى الله عليه وسلم: “قد جعل الله لهن سبيلا” 1. قال: وهذا الذي ادعاه يبعد أن يوجد في كل آية منسوخة، لكنه معتضد لمذهب أبي حنيفة في أن الزيادة على النص تكون نسخا، فجعل ذلك من شواهد المنسوخ.
مسألة
لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا. وقول من قال: نسخ صوم عاشوراء برمضان، ونسخت الزكاة كل صدقة سواها فلا يصح، لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه. وإنما وافق نسخ عاشوراء فرض رمضان ونسخ سائر الصدقات فرض الزكاة، فحصل النسخ معه لا به.
ـــــــ
1 رواه مسلم 3/1316 كتاب الحدود، باب حد الزنى، حديث 1690 عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم” .

اكتب تعليقًا