قال صاحب “المصادر”: وأما نسخ التلاوة دون الحكم فوجوده غير مقطوع به، لأنه منقول من طريق الآحاد، وكذلك نسخهما جميعا، لا يقال: إن ذلك لم يكن قرآنا، لقول عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في القرآن، وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا. قلنا: إنما قال ذلك لارتفاع تلاوته، فلم يكتبه لأنه نسخ رسمه. وقال: لولا أن يقال: زاد في القرآن المثبت، لكتبت ذلك.
فإن قيل: “الشيخ والشيخة” لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر، ونسخ المتواتر بالآحاد ممتنع، سواء كان قرآنا أو خبرا. قلنا: والرجم أيضا لم يثبت بالتواتر، بل بالآحاد. وغايته أن الرجم ثابت إجماعا، والإجماع ليس بناسخ، وغايته الكشف عن ناسخ متواتر، وقد تكون سنة متواترة، وليس كون أحدهما متواترا أولى من الآخر.
وأجاب الهندي عن أصل السؤال بأن التواتر شرط في القرآن المثبت بين الدفتين. أما المنسوخ فلا نسلم أن ذلك شرط فيه، بل يثبت بخبر الواحد، لكن الذي قد ثبت ضمنا بها لا يثبت به استقلالا، كالنسب بشهادة القوابل، وكقبول قول الراوي في أحد الخبرين المتواترين أنه قبل الآخر على رأي، وإن لزم نسخ المعلوم بقوله. وأجاب غيره بأن زماننا هذا ليس زمان نسخ، وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد. وقال إلكيا الطبري: القرآن وإن لم يثبت بخبر الواحد، لكن يثبت حكمه والعهد به بقول عائشة: وهي مما يتلى، أي في حق الحكم. وضعف هذا بأن التلاوة لا تجوز بذلك.
وأجاب آخرون بأن قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] مطلق في الإرضاع، والخبر جاء لبيان العدد، فلفظ القرآن مجمل في حق العدد، والتغير إنما يلحق بخبر عائشة، فالآية إذا كانت مبينة بالخبر، وكان المراد به خمس رضعات كان المتلو خمس رضعات، يعني وهذا كقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النساء: 77] إذا ثبت بالخبر بيان قدر الزكاة نصف دينار، وهو المراد بالخبر، فكان قراءة الزكاة في القرآن قراءة نصف دينار.
والدليل على جوار نسخ الآخر مع بقاء الحكم، أن التلاوة حكم، فلا يبعد نسخ أحد الحكمين مع بقاء الآخر. وليس أحدهما تبعا للثاني.