جملة تدل عليها، فخص الله رسوله بعلم ذلك، فلم يثبت أن آية نسخت سنة، لأن تلك السنة قد تكون مأخوذة من جملة الكتاب وإن خفي علينا علم ذلك بعد. قال أبو بكر: وهذا يوجب أن لا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم سنة أصلا. وأن يكون كل ما بينه فهو بيان لجملة مذكورة في القرآن قد علمها دوننا. قال: وبطلانه معلوم باتفاق الأمة. قلت: قد حكاه الشافعي في أول الرسالة قولا عن بعض أهل العلم، ثم حكى الرازي عن هذا القائل استقراء أنه لم يرد أنه نسخت عنده سنة إلا وقد وجد لها حكمة من الكتاب، نحو: ما ادعوه من نسخ استقبال بيت المقدس، واستحلال الخمر، وتحريم المباشرة، والفطر بعد النوم في ليالي الصوم، فقد يكون استقبال بيت المقدس مأخوذا من قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وشرب الخمر من قوله: {إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] ومعلوم أن شربها لا يحل وفيه إثم، ويحرم ما يحل للمفطر {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] أي على الصفة، قال: وإن ورد ما لم يطلع فيه على ذلك، فيجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب، وإن خفي علينا علمه. ثم زيف الرازي هذه المقالة، ورد هذا كله.
الرابع : أشار الدبوسي إلى أن الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها نشأ من الخلاف في أن الزيادة نسخ أو بيان؟ فالشافعي يرى أنه بيان، وما ورد مما يوهم النسخ جعله من قسم البيان. وعندنا أن الزيادة نسخ، فاضطررنا إلى القول بجواز نسخ السنة بالكتاب وبالعكس.
وقال ابن المنير في “شرح البرهان”: طريق النظر عندي في هذه المسألة غير ما ذهب إليه المصنفون، وذلك لأن الناسخ والمنسوخ أمر قد فرغ منه، وجف به القلم، فلا تتوقع فيه الزيادة. وينبغي أن يسمع الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، فإن لم نجد شيئا من الذي نسخ بالسنة، ولا العكس، قطعنا بالواقع، واستغنينا عن الكلام على الزائد، لأنه لا يقع أبدا.
قال: وها هنا مزلة قدم لا بد من التنبيه عليها، وذلك أنا قد نجد حكما من السنة منسوخا، ونجد في الكتاب حكما مضادا لذلك المنسوخ، فيسبق الوهم إلى أنه الناسخ، وهذا غير لازم، لأنا قد نجد في السنة ناسخا، فلعل الموجود في السنة هو الذي نسخ، والموجود في الكتاب نزل بعد أن استقر النسخ، فلا يتعين كون ذلك هو الناسخ، ثم نتبع ذلك بالأمثلة.