البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص202

وما حكيناه عن بعض الأصحاب صححه الشيخ في “اللمع”1 وهو الذي يقتضيه مذهب الشافعي، فإنه ذكر في إيجاب القعود إذا صلى الإمام قاعدا أنه نسخ بفعله صلى الله عليه وسلم في مرض موته2.
وقال القاضي: يجوز نسخ الفعل بالفعل إذا علم كونهما مثبتين لحكمين متنافيين، فأما النسخ بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم على الفعل أو المنع منه فقد ذكرناه في باب الأخبار. قال: واختلف أيضا في نسخ قوله بفعله فأجازه قوم ومنعه آخرون. والصحيح الجواز.
وقال ابن عقيل من الحنابلة: لا يجوز النسخ بالأفعال، وإن جعلناها دالة على الوجوب دون دلالة صريح القول، والشيء إنما ينسخ بمثله أو بأقوى منه. وقال ابن فورك: إذا أقر على غير ما أمر به، هل يدل إقراره على نسخ الأول؟ وجهان: أحدهما: أنه يقع به نسخ، كما يقع به التخصيص على قولنا: إن الفعل يدل على الوجوب. ومن توقف في الفعل قال: ويستدل بإقراره على أنه قد سبقه قول نسخ به الأمر الأول، لأن فعله يقع تخصيصا، ويقع متعديا، فمن قال بهذا فإنه يقول في حديث معاذ: وكان قد تقدم من النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ قول في ذلك، ثم قال: “سن لكم معاذ سنة فاتبعوه” 3 فأضافها إليه تنويها بذكره، لما كان هو المبتدي به. ومن قال بالأول جعل سكوته على الإنكار نسخا له.
ـــــــ
1 انظر اللمع ص: 33.
2 يشير إلى ما رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. حديث 689 عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاائما فصلوا قياما، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون”.
قال البخاري: قال الحميدي: قوله: “إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا” هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم حديث 411.
3 يشير إلى ما رواه أبو داود في سننه 1/138 كتاب الصلاة، باب الأذان، حديث 506 وفيه وكان الرجل إذا جاء يسأل فيخبر بما سبق من صلاته وإنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم… فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها قال: فقال: “إن معاذا قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا…” الحديث. وهو حديث صحيح.

اكتب تعليقًا